تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من هنا لا يمكن أن ندرج تواجدية النورسي بجمال الكون واللهج التسبيحي الصميم بتجليات الحسن الرباني ضمن نظرة التوله التي دأب أهل الوجدان يعربون عنها في صلتهم السكرى بالعاشق الفذ، كما لا يجب أن نعدها بعضا من الحال الانتشائية التي اعتدناها عند أهل الشطح..إنما كانت تلك التواجدية اعرابا حيا، واعيا، ومؤسسا على عقل وإدراك حصيفين لما لمكونات هذا الكون من معنى يزكي وظيفة الحياة والمخلوقات..

لقد كان النورسي ربانيا مصلحا، لا يتحول بنظرته عن تعاليم القرآن التي تجعل من المسلم مسؤولا كونيا، مطالبا بالاضطلاع بوظيفة طلائعية مدنية، وبريادة انسانية حضارية، كونية .. من هنا طفق النورسي يتغنى بمآثر الكمال والجمال الكوني، موعزا للمسلمين أن يهشوا ويبشوا، ويعوا ما يكتنفهم من كمالات ربانية تحرضهم من خلال تجلياتها المختلفة على التفاؤل والاستبشار والتهيُّئ والتوثب من أجل معاودة الدور، ومباشرة المهمة التي ترجوها الشريعة المحمدية منهم، بوصفهم الأمة الوسط، القوية بالحق، المستميتة بالايمان..

لقد كانت تبتلات النورسي المتوهجة بنور الخالق، المتهيجة بجلواته الفردوسية، دروسا يمليها على العقب، ليبتسموا للحياة، ويمارسوها بقلوب تتذوق الجمال، وتأخذ نصيبها من الدنيا، لا على أساس تمتعي استهلاكي، ولكن على أساس التزامي، جهادي، فعال..

من هنا تواشجت نوازعه التوحيدية والتواجدية، وبات المطمح المدني لديه قرينا بأحوال التهجد والابتهاج التي طفق يستجيب بها لكل لمسة حسن وغمزة افتتان رباني تلقي بها نسائم التأمل على قلبه المتيم بعشق الحقيقة..

كل ما خلق الله في أكوانه -حتى الشيطان- يمثل وجها من وجوه الخيرية والجمال

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٣٤