وذلك ما دأب يؤكده أهل الاسشراف الروحي، إذ طفقوا يلحون على عدالة الخالق ونَصَفَتِهِ، وكونه قدَّر فأحسن التقدير، ووهب فأجاد الهبة وأحكم القسطاسية بشكل لا مراء فيه، وذلك ما أومأت إليه الآية الكريمة: (فارجع البصر هل ترى من فطور)..(الملك).
وربما كان في قول الغزالي حين قرر أنه " ليس في الامكان أبدع مما كان" ما يثيب هذه الحقيقة .. فقد فسر النورسي هذا القول بكون الحسن المطلق ليس موجودا ولا يمكن أن يوجد أبدع منه ولا أجمل، خارج دائرة ما خلق الله وأبدع في كونه المحس.. .(1).
الكون مرصد جمالي إلهي، خال من القبح
ولما كان الجمال الكوني يستمد كنهه من الخالق ومن أسراره القدسية، فقد عدم هذا الكون القبح، بل إن القبح الماثل في الكون لا يبلغ شناعته إلا حين يغدو شذوذا عن شرع الله وخروجا عن نهج الوحدانية..
لقد وجد العقل دليله على سمو جمال الله في أحوال العشق الخارق التي طفق المتبتلون وأهل الله يخصون بها معشوقهم الخالق، البارئ، سبحانه عز وجل..فـ"وجود عشق إلهي شديد، ومحبة ربانية قوية لدى من لا يحصيهم العد من بني الإنسان، لاسيما طبقته العليا، على الرغم من اختلاف مسالكهم، يشير بالبداهة إلى جمال لا مثيل له، بل يشهد له شهادة قاطعة" .(2)
لقد كانت رؤية النورسي للجمال رؤية استبشارية، اعتدلت بها نظرته إلى الحياة عامة، إذ لم تعد الحياة كما ألفناها عند جمهرة من متنسكي السلف، مدار حزن وكآبة ونواح.. لقد طفحت روح النورسي بمشاعر وهاجة ارتبط من خلالها بالكون، إذ رآه صعيدا ربيعيا فذا، عامرا بآثار الله النورانية، فهش للحياة، وتسامى بها، وأدرك أن السعي فيها انطلاقا من وصايا الشرع، سيسلك الإنسان في نطاق من التكريمية التي يستعيد بها مكانته الحق كمخلوق مكرم، مرشح لخلافة الله في أرضه، مهيء للخلود والسرمدية..
(1) الشعاعات ص.36
(2) الشعاعات ص.93