تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجمال الإلهي سرمدي مصون، منزّه عن البذل، وجمال المخلوقية مبذول وظرفي ومتحول.. وتلك خصوصية مبدئية تنسجم مع المشيئة الإلهية التي قَدَّرَت أن تحكم بها توازنات الوجود، فالمولى – عز وجل – قد خلق الموت والحياة، وجعل للأحوال أضدادا ومفارقات، وكل ذلك من أجل توطيد صبغة ما من الكمال على الكون، وهو ما يسوغ وجود عنصر الشر إلى جانب عنصر الخير، ووجود الملاك إلى جانب الشيطان، وكذلك نزعة الإيمان بالواحد إلى جانب نزعة الشرك به . إذ اقتضت الحكمة الإلهية أن يترتب الكون على منوال المفارقة من حيث أن المفارقة ذاتها هي مظهر حيوي يعكس الحكمة والجمال الإلهيين في هذا الوجود.. فالضد الموجب، هو الوجه الجمالي المجسد المستمد -من تلك الذات- قَوَامَ سِحْرِه .. أما الوجه السالب فهو وجه القبح، وهو الواقع تحت طائلة الفتنة والامتحان .. فطبيعة الحياة والموت نفسها إنما تقوم على مبدإ تجديدي، تتوطد به صبغة الجمال الإلهي التي أناط بها هذا الكون..

ذلك لأن " زوال الأشياء وفناءها - كما يرى النورسي - إنما هو تجديد لها ولأمثالها، تجديد ممتع ملذ، تجديد للتجليات الجميلة، للأسماء الحسنى، ووظيفة يؤديها ضمن سير وتجوال في عالم الشهادة، بعد مجيئها من عالم الغيب، وهو مظاهر حكيمة لجمال الربوبية . فالموجودات تؤدي به وظيفة المرآة إزاء الحسن السرمدي."(1)

فكل نوع من أنواع الكائنات، بل حتى كل فرد من أفرادها قد نال حسب قابليته حظا من جمال الأسماء الحسنى التي لا منتهى لجمالها..وهو ما تكرس به مبدأ العدالة الإلهية، بحيث أن الكائنات قاطبة قد تهيأ لها من قدرها الوجودي المقدار الذي لاءمها وفق منطلق الكونية الرباني ..

(1) انظر الشعاعات ص88

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٣٢