فرحمة الله في تجلياتها الطبيعية هي أحوال عارمة من الجمال الذي يأسر القلوب ويرقق المشاعر على أي وجهٍ عَرَضَت للمخلوقات، فالرأفة التي تقرأها النفس - مثلا- في مشهد الرضيع ووالدته تغدق عليه من صدرها فيض الحياة والمحبة، يعد مشهدا رائعا يجسد جمال الله الدافئ المشرب بكمال رأفته ورحمته، والذي لا حصر له..
والتوحيد الناتج عن التأمل واستشراف أعطاف هذا الملكوت الباهر، هو موقف روحي خالص الجمالية، لأن النفس فيه تناط بمواجهة الله، والتطلع إلى منبع الفيوض، والتخلي عن أثقال الواقع والتواصل مع الكلي..
" فالجمال والانتظام والانسجام دليل وحدانية وحجة قاطعة عليها". (1)
وإذا كان التواصل مع الله هو تواصل مع الكلي والمطلق الذي تزول حياله كل معاني العلة والسببية، فلا جرم أن تجليات هذا الكلي في عالم الشهود هي تجليات لأسماء الله الحسنى، إذ أن تنوع مجالي الحسن وتلونها الذي لا يحد، هو انعكاس ملموس لجلال الألوهية وجمالها الذي تجسده أسماء الله وصفاته الحسنى من خلال تماهيها في الكون وظواهره البديعة ..
كل كائن هو قصيد شعري ونموذج جمالي رباني
"فكل كائن حي، نباتا كان أو حيوانا، فضلا عن الانسان، هو قصيدة صغيرة إلهية تحمل من المعاني العميقة الغزيرة، بحيث يطالعها ما لا يحد من ذوي الشعور بمتعة كاملة .. وهو لوحة تعلن عن حكمته تعالى، حيث تعرض إتقان الصانع الجليل في منتهى الجاذبية أمام أنظار من لا يحد من أهل التقدير والاستحسان" .(2)
فالجمال في تصور النورسي هو مصدر كل جمال حسي، وإن آثار هذا الجمال الكلي هي المتبدية في مستويات الجمال الحسي التي يشهدها الإنسان في نفسه وفي ما حوله، ويُخْلَبُ بها..
فالكائنات الجميلة، هي مرايا صغيرة تتلقى أشعتها من العين العليا : ذات الله، التي هي أصل التجليات ومنبع الحسن في الوجود.
(1) الشعاعات.36
(2) الشعاعات.17.