لقد انطوت جوانحه على نفسية ووجدانية تلازمت فيها أسباب القوة والضعف، وشكلت دعامتها المزاجية وعلة توازنها العاطفي والجمالي..
إذ أن تلك الروح التي ظلت تحتفظ بدافعية هصورة في مواطن المواجهة والنزال، ما أسرع ما كانت تجنح إلى حال من الضعف والتداعي ما إن تحركها دواعي التأمل والتفكير في وضع الإنسان وفي ارتكاساته.. لقد كانت عيناه لا تلبثان أن تدمعا حيال مشاهد العبرة ومواطن الاتعاظ.. بل لقد كان الحزن يمضه - هو المؤمن بالله، الموقن من صفحه - كلما استشعر من نفسه اغترارا، أو خالجته نوازع أمل مادي وشدته إلى بهرج الدنيا لواعج حب الظهور وطلب الشأن والاستنامة للمغريات..
وما أكثرها تلك المواقف التي برح يذب فيها عن نفسه وينفي ما كان الأتباع يضفونه عليه من اعتبارات الكرامة والقداسة والإدراك.. وكل ذلك لأن النورسي الذي اعترف بتحوله الروحي والقلبي، وبتروضه النفسي الذي أحال منه شخصا مغايرا لشخصه الأول، شخص يكاد لا يمت بصلة لسعيد الأول، إذ باتت القيم تتراءى له على نحو غير اعتيادي، فروح السمو التي نشدها انتهت به إلى أن يتسامى بنظرته عن الحياة ويستنكف عن معانيها المبتذلة، بحيث أضحت نظرة القرآن هي نظرته، وصار نور القرآن هو المشكاة التي تستنير بها بصيرته، الأمر الذي جعله يقف من كثير من مسائل الحياة - التي يتبارى في احتيازها الناس العاديون- موقف الغفلة والإشاحة .
من الإنابة إلى الله ، إلى الاستغراق في ملكوت جماله
ولقد كان عناء النورسي في هذا المجال كبيرا لأنه كان يحمل بين جوانحه نفسا تتناغى مع الجمال .. فتمثله للذات العلية هو تمثل جمالي محض، إذ أن الكون وما انبنى عليه من عناصر مادية ومقومات غيبية ونواميس فطرية جميعا تعكس حقيقة الجمال الإلهي المطلق..