ولما كانت علاقة الأمة بتراثها وبروحيتها - التي لم تعد في جوانب كثيرة منها، تلبي حاجة العصر- هي علاقة الأمر الواقع، فقد حرص النورسي على أن يرسم الطريقة التي تكفل الاستفادة من ذلك التراث كما أنشأه السلف.. من حيث ضرورة تخضيعه للنقد، والوعي بالظروف التي صاحبت ظهوره، والمقاصد التي كان يحددها لمضامينه، والآليات المعرفية التي كان يفاعل بها ..وهو ما يخلع عنه صورة القداسة التي جعلت الخلف يتمثله بها ..
إذ لابد أن نقرأ التراث وأن ندركه من خلال مضامينه ذاتها، وليس من خلال قائليه.. فمهمة التمحيص تقتضي أن نقوِّم الرجال من خلال الحق، لا أن نقِّوم الحق من خلال الرجال.. وهو ما يجعل كنوز الحق كما حواها التراث تتصفى من الشوائب والفضلات التي تنسب إلى العقول وإلى رؤى أصحابها وظروفهم المعرفية ..
لقد آمن النورسي أنه مثلما رفل الماضي في النور القلبي والقوامة الروحية والبرهان العقلي، فكذلك سيكون حال المستقبل، من حيث إعلاؤه للحق وللعلم والحقيقة :
"لما كان المهيمن هو الحق والبرهان والعقل والشورى في خير القرون وعصور السلف الصالح، لم يك للشكوك والشبهات موضع، كذلك نرى أنه بفضل انتشار العلوم في الوقت الحاضر وهيمنتها بصورة عامة، وفي المستقبل هيمنة تامة إن شاء الله، سيكون المهيمن هو الحق بدلا من القوة، والبرهان بدلا من الطبع، والهدى بدلا من الهوى، كما كان الحال في القرون الأولى والثانية والثالثة، وحتى القرن الخامس عامة" .(1)
* * *
الفصل الرابع
الجمال والجمالية .. في فكر النورسي
إن روح التنسك التي لازمت النورسي طيلة حياته، لاسيما الشطر الإخير منها، أورثته طبيعة نفسية تأملية رهيفة، وعلى درجة من التأثر كبيرة .. ومن غير ما شك أن تلك الحال التي نزع إليها إنما تجد تفسيرها في مكوناته الفطرية وفي رواسب تنشئته الريفية، وفي ثقافته الدينية، وفي استعداده النفسي والوجداني الرقيق..
(1) صيقل الإسلام ص 51