إذ هناك مستوى من ثقافة الوعظ التي تشيد بالبطالة العقلية وتدعو إلى التوكل السلبي وإلى الاستكانة وحب الوضاعة، إنما كانت ثقافة تقهقرية، تخرج عن دائرة الزمن الحي، لتستنيم لخدر الزمن الميت : "إني استمعت إلى الوعاظ فلم تؤثر في نصائحهم ووعظهم.. إنهم يتناسون الفرق بين الحاضر والماضي، فالزمن الحاضر أكثر حاجة إلى إيراد الأدلة ". (1)
ويتحدث النورسي عن سوء منهجية الوعاظ، وقصور نظرتهم التي لا تميز بين المقتضى الضروري وبين الفضلة والإضافة..فيقول :" إنهم لا يميزون بين المهم والأهم، إنهم لا يتكلمون بما يناسب تشخيص علة هذا العصر، وكأنهم يسحبون الناس إلى الزمان الغابر فيحدثونهم بلسان ذلك الزمان". (2)
لقد آمن النورسي أن الحاجة باعث مهم على التحلحل وتجريب السير على طريق التجدد والاختراع، ولاحظ أن واقع الانسان المسلم يحتم عليه أن يمضي على سبيل التجريب وتلبية الحاجات والإلجاءات، وإلا هلك واندثر.. فالاستيقاظ أضحى حتمية بقاء بالنسبة للمسلمين :" إن الحاجة التي هي أم المدنية وأم الاختراع والرقي قد رفعت يدها لتنزلها عليكم صفعة، فتأمركم: إما أن تعطوا حريتكم إلى الناهبين، أو عليكم أن تهرعوا إلى كعبة الكمالات بركوبكم منطاد العلم وقطار الصنعة في ميدان المدنية لاستقبال المستقبل الزاهر، مستردين أموال الاتفاق التي اغتصبها الأجنبي" .(3)
وبنفس النظرة المستقبلية رأينا النورسي يمارس التأويل وقراءة التراث .. فقد أقر أن الزمن مفسر للقرآن، بحكم أن إطلاقات القرآن وتقيداته منوطة بالشروط الزمانية، فهي تتكيف في ضوئها:
"إن للتأويل والاحتمال مجالا، لأن النهي القرآني ليس بعام، بل مطلق، ومطلق قد يقيد، والزمان مفسر عظيم، فإذا ما أظهر قيده، فلا اعتراض عليه". (4)
(1) صيقل الإسلام ص 473.
(2) صيقل الإسلام ص 473.
(3) صيقل الإسلام ص 463
(4) صيقل الإسلام ص. 399.