تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الكفر بجهنم - وهي مثابة القصاص الذي أناطت به العقيدة سلوكنا غير القويم - هو انحياز للعدم المحض.(1). وهو بالتالي إقرار بهمجية الإنسان الذي لا قامع يكفه عن الخيانة والتعدي على حقوق الغير، إلا إذا أقر بما قرره الله مصيرا للمخلوقات .. إذ أن الضوابط الموضوعية، الخارجية، لا تصمد طويلا أمام جنوحات الانسان، لو لم يكن لهذا الانسان قوامع أخرى ذاتية، يستمدها من أواصره بعالم الغيب.. وذلك ما نبه إليه النورسي في سائر ما كتب..

الدعوة إلى تحصيف التراث وترقية منهج الوعظ والترشيد

وفي هذا النطاق رأيناه يستقرئ بذات التوجه النقدي المستقبلي، مصادر التراث ومرجعياته، إذ كان يتبين فيها النقص والقصور والمحدودية.. فمضامينها لم تكن تعالج اهتمامات العصر، بل لقد مضت تشد الأجيال إلى أزمنة سالفة، معطلة حركة التطور التي جاء الاسلام ليمضي بها قدما لصالح البشرية..

"إن قسما من مصنفات العلماء السابقين وأغلب الكتب القديمة للأولياء الصالحين تبحث في ثمار الايمان ونتائجه وفيوضات معرفة الله سبحانه، ذلك لأنه لم يكن في عصرهم تحد واضح ولا هجوم سافر، إذ كانت تلك الأسس متينة ورصينة .. أما الآن فإن هناك هجوما عنيفا جماعيا منظما على أركان الإيمان وأسسه لا يستطيع أغلب تلك الكتب والرسائل التي كانت تخاطب الأفراد وخواص المؤمنين فقط، أن تصد التيار الرهيب القوي لهذا الزمان، ولا أن تقاومه .." إن الدواوين والمؤلفات السابقة تقول : كن وليا وشاهد وارق في المقامات والدرجات، وأبصر وتناول الأنوار والفيوضات، بينما رسائل النور تقول : كن من شئت وابصر وافتح عينيك فحسب، وشاهد الحقيقة وانقذ إيمانك الذي هو مفتاح السعادة الأبدية" .(2)

لذا لبث النورسي ينعى عقم الوسائل التربوية الممارسة في عهده والعهود التي خلت، ويؤكد عدم مجاراتها لمتطلبات الزمن الجديد القائمة على البرهان والدليل العقليين ..

(1) الشعاعات ص.287

(2) الملاحق ص 105.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٢٤