ولا يسعنا أن ننكر ما أفادنا به القرآن العظيم الذي جعل من العقل والبيان التأملي المستنير حجته وأُسَّ برهانه ومصداقية أنبائه وتقريراته، إذ أن اِنكار تلك الآيات البينات المؤكدة بقاطع الحجة الكونية الظاهرة، انتحار مجاني، وإقرار - لا ينسجم مع المنطق والجِبِلَّة - بعبثية الوجود وصُدْفيته، واعتباطية ما يكتنفه من نظم متداخلة متراكبة، معجزة في الدقة والإطراد ..
إن القول بعدمية الكائن وبآنيته، وفنائه، هو قول لا يرتكز على روح.. وإننا إذا ما قيدنا الوجود الإنساني بتجربة حياتية، بيولوجية، محضة، أنتجتها - افتراضا - السببية الوجودية، والصدفة المتوحشة، فكيف لا يحق لنا - وبالنظر إلى هذا الارتقاء الباهر الذي انتهت إليه حياتنا الفردية والكونية ضمن إطار الوحشية والصدفة الذي نزعم أنه أساسها - أن نتساءل عن سر إمساك هذه الإعتباطية النمائية التي حققت مرافق هذا الكون وجهزته بما يديره، وعمرته بالمخلوقات التي لا تنحصر أجناسها وأصنافها ومستويات حياتها في لون أو شكل أو نظام، وعجزها عن أن تنشئ له الامتداد الذي يعطي للوجود معنى ومعقولية، ويبعده عن المصير الانسدادي المتوج بالموت الفنائي المحتوم كما يتوهم الدهريون ؟.
فإذا ما كفرنا بوجود الجنة مثلا أو جهنم أو بغير ذلك مما أنبأ عنه القرآن من أمور الغيب، فإننا نكون أغلقنا الأفق الرحيب الذي فتحه الدين وأعطى به معنى أبديا لكينونتنا.