تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن ما يهمنا هنا هو هذا الاستيعاب النير والعصري الذي أظهره النورسي في تمثله لظاهرة تجريدية من أعقد الظواهر الكونية والروحية في وجودنا وهي ظاهرة الزمان.. تَمَثُّلٌ لم يكن يكتفي بصوغ الفرضية نظريا من خلال الشواهد والأمثلة الدالة على تفهم الظاهرة، بل إنه تمثل تمرسي، إذ كان النورسي يسعى بحكمة المصلح، إلى إدماج ذلك الفهم المتقدم للزمن في عملية إرسائه للفكر والمعرفة الإسلاميين، من خلال إقامة ذلك التزاوج بين الروح الدينية كما قررها القرآن وبين الاستقراء الفكري الذي كانت العقلية الإنسانية قد أثلته لفكرة الزمن والمقايسة، خاصة وأن النورسي قد لمس في ذلك التأثيل شيئا وجيها يسهم في ترجمة الأسرار الإعجازية التي انطوت عليها فاعلية الزمن، بوصفها شرطا كونيا أرست عليه القدرة الإلهية نظم الكون وإيقاعات حركته المجسدة لعظمة الخالق..

بل لقد لمس التأثير الفعال لوطأة هذا الشرط الوجودي على الانسانية بعد ما تعاقب عليها من أطوار وما تهيأ لها من أسباب الوعي والمدنية..

يقول النورسي:

" لقد تيقظ الانسان في عصرنا هذا بفضل العلوم والفنون ونُذُرِ الحروب والأحداث المذهلة، وشعر بقيمة جوهر الإنسانية واستعدادها الجامع، وأدرك أن الإنسان باستعداده الاجتماعي العجيب لم يخلق لقضاء هذه الحياة المتقلبة القصيرة، بل خلق للأبد والخلود، بدليل آماله الممتدة إلى الأبد ..وأن كل إنسان بدأ يشعر – حسب استعداده – أن هذه الدنيا الفانية الضيقة لا تسع لتلك الآمال والرغبات غير المحدودة، حتى إذا قيل لقوة الخيال التي تخدم الانسانية : لك أن تعمري مليون سنة مع سلطنة الدنيا، نظير قبولك موتا أبديا لا حياة بعده إطلاقا . فلابد أن خيال ذلك الانسان المتيقظ الذي لم يفقد انسانيته سيتأوه كمدا وحزنا - بدلا من أن يفرح ويستبشر – لفقده السعادة الأبدية ".(1)

(1) صيقل الإسلام ص 494

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٢١