تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الإيمان بالآخرة يضفي مساحة الوجود حيال الانسان، ويبني روحيته على أسس ثابتة لا تقيس الأمور بمقياس الظرفية والإنقطاع.." ما أن يأتي الإيمان بالآخرة إلى هذا الانسان لينقذه ويمده ويغيثه حتى يحول ذلك الزمن الضيق - الشبيه بالقبر- إلى زمان فسيح واسع جدًّا، بحيث يستوعب الماضي والمستقبل معا، فيريه وجودا واسعا بسعة الدنيا، بل بسعة تمتد من الأزل إلى الأبد، وعندئذ يقوم هذا الإنسان باحترام والده وتوقيره بمقتضى الأبوة الممتدة إلى دار السعادة وعالم الأرواح، ويساعد أخاه ويعاونه بذلك التفكير بالأخوة الممتدة إلى الأبد ..فتبدأ - من ثمة - كمالاته وخصاله بالسمو والرقي بالنسبة نفسها، وتتعالى إنسانيته ولكل حسب درجته..(1)

فالإيمان بالآخرة يوسع من رحابة الوجود ويركز عقيدة الدوام والأبدية، ويجعل من مطمح الخلود حقيقة منطقية، تنسجم مع روح القرآن الذي جعل من الحياة الدنيا معبرا لحياة أبدية..(2)

الزمن الدنيوي اِرهاص للزمن الأخروي، السرمدي

ففيما تركز معتقد الماديين على الزمن الدنيوي، وقطعوا مشاعرهم بما وراء ذلك، رأى النورسي أن الزمن الدنيوي هو جزء من الزمن السرمدي وموصول به ..

لقد ألحم النورسي مفهوم الزمان الأرضي بالزمن الأبدي، وجعل الموت عتبة عبور تنتقل منها الروح من وضع الظرفية والمرحلية إلى وضع الأبدية .. ومن خلال تلك النظرة قوَّم سائر القضايا الوجودية والحوادث الحياتية .. فخلت نظرته إلى الزمن من أي إحساس بالقسرية أو بالاضطرارية، وأسندت كل واقعة وكل رجاء إلى اللوح المحفوظ، مخالفا بذلك احترازات المناطقة والفلاسفة الذين يلحون على السببية .. لقد دأب أولئك المناطقة والفلاسفة - كلما أخطأتهم في سبرياتهم لمستويات من الظواهر والقضايا - ينفخون ويتعزون بكون علمهم لم يرق بعد إلى الأفق الذي يمكنهم من التحكم في كل القوانين، والإجابة عن كل الأسئلة..

كرامة طي الزمن

(1) الشعاعات ص.279.

(2) الشعاعات ص.283 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢١٩