" أيها الإنسان، لقد خرج شيء من ماضيك ومستقبلك من الغيب، بحكم ما تحمله من عقل، فأنت محروم كليا مما تتنعم به الحيوانات من راحة واطمئنان بانسدال ستار الغيب أماهما، فالحسرات والآهات الناشئة مما مضى، وأنواع الفراق الأليم والمخاوف الناجمة تزيل لذتك الجزئية وتبيدها وتهوي بك في درجة أدنى بكثير من الحيوان من حيث اللذة، فما دامت الحقيقة هكذا فما عليك إذاً إلا أن تتبرأ من عقلك وترميه خارجا، وتَعَدُّ نفسَك حيوانا فتنجو، أو تُنَوِّرُ عقلك بنور الإيمان وتنصت إلى الصوت العذب للقرآن الكريم، فتكون أرقى من الحيوان وأرفع، مغتنما لذائذ نقية، صافية، طاهرة، وأنت ما زلت في هذه الدنيا الفانية".(1)
فالإنسان يعيش على وعي عضوي بزمنه، فإدراك الزمن هو الذاكرة، وهو المخيلة..
فإذا ما عدم الإنسان زمنيته، وبات من غير ماض ولا مستقبل، أضحى ناقص السجايا..
" إن مقام الانسان الراقي وتفوقه على سائر الأحياء وامتيازه عليها إنما هو لسجاياه السامية، ولاستعداداته الفطرية الجامعة، ولعبوديته الكلية، ولسعة دوائر وجوده، لذا فالإنسان المنحصر في الحاضر فقط المنسلخ من الماضي، المبتوت الصلة بالمستقبل - وهما معدومان ميتان مظلمان بالنسبة إليه - هذا الانسان يكسب سجايا المروءة والمحبة والأخوة الانسانية على أساس حاضره الضيق، وتتحدد عنده تلك السجايا على وفق مقاييسه وموازينه المحدودة، فيولي المحبة لأبيه أو أخيه أوزوجته أو أمته ويقوم بخدمتهم على وفق تلك المقاييس الضيقة في الوفاء، وليس على وفق مكانة الإخلاص في الصداقة، أو درجة الود المصفى من الشوائب في المحبة، أومستوى الإحترام المبرأ من الغرض في الخدمة، لأن سعة تلك السجايا والكمالات قد تضاءلت وصغرت بالنسبة نفسها، وحينها يتردى الانسان إلى درك أدنى الحيوانات عقلا.. (2)
(1) الشعاعات ص250.
(2) الشعاعات ص279.