لقد كانت حياة سعيد الجديد تُجَسِّدُ - فعلا- تجربة التجدد الإرادي الذي يباشره الإنسان إذا ما أخلص نية الانخراط في سبيل الله، تصفيةً للذات والسمو بها إلى درجة الشفوف، ارتكازا على برنامج من اليقظة والتشدد في محاسبة النفس وحملها على الإلتزام بأمر الله .. إن واقع التحول الذي عرفه سعيد النورسي يُعَدُّ عنوانا للبعث والنشور المعنوي..(1). كما أنه دلالة على قابلية الانبعاث الروحي والحضاري التي تتأتى للأمة، إن هي أخذت بطريق الله والتزمت بتعاليمه في صناعة واقعها وبناء مصيرها..
لقد كان موقف الانقطاع عن الحياة العامة النهج العملي والروحي المفضي إلى تزكية الذات، وتثمير زمنيتها على وجه نافع ومفيد وذي مردودية.. لقد كان انقطاعه عن أخبار العالم وعزوفه عن قراءة الجريدة، سياسة سلوكية سد بها الباب بينه وبين زمنية الابتذال والإرتذال..
لقد كان للنورسي في مشاهداته، وفي وقائع الحياة اليومية التي يحياها وسط أناس تعركهم الأيام بكرورها الدائب، وتدركهم الشيخوخة والعجز، عبرة وموعظة، إذ أن دورة الحياة كانت تُبَيِّنُ له مدى جهالة أولئك الذين يركبون موج الخطيئة ويستنيمون للفاحشة والعصيان، ويسترسلون مع الإثم، مغترين بعهود الشباب والتخفف من الأسقام، ثم لئ يلبثون أن تطوى صفحتهم ويضحوا مسخا ومعايب فاضحة. " ..فلو أمكن إظهار حوادث ما بعد خمسين سنة من المستقبل مثلما يمكن ذلك لحوادث الخمسين سنة الفانية - بجهاز كجهاز السينما - وعرضت حوادث أهل الضلالة وأحوالهم في المستقبل، إذن لتقززوا ولتألموا ولبكوا بكاء مرًّا على ما يفرحون منه الآن ويتلذذون به من المحرمات في الوقت الحاضر. (2)
(1) الشعاعات.542
(2) الشعاعات ص247.