لقد جسدت تلك التجربة ميلادا في الزمن تستسيغها حكمة التوبة أو الإثابة التي تَتَشَبَّبُ بها نفوسُ المؤمنين عندما تطرق باب الرحمان متخففة من أحمالها وعنائها..
لقد جاهد النورسي بإخلاص متجدد وباسل، كي يحقق الانفكاك عن زمنية الواقع الأرضي، التحاما مع مدار الجاذبية العليا، لا لأنه غاص في وحل الإنغماس الدنيوي المقيت فشاء أن يكفّر ويتطهر، ولكن تداركا منه لاجتهاد رؤيوي قدَّرَ أنه سيخدم من خلاله الإسلام، فجدّ في الطريق صادقا، لكنه سرعان ما تبين الحقيقة الصادمة، فانتفض مروعا، ووثب موليا من حيث انطلق .. من هنا كان ذلك الانبتات الفعلي مع المجتمع، اللهم إلا على صعيد الروح، حيث كان النورسي يحرص على تصدير تعاليمه، باعتبارها كشوفات في حقل الروح، تفيد الأمة في رأب صدعها الروحي والحضاري البالغ..
ولقد دلت التفاصيل البسيطة في سجل حياته على عمق القطيعة التي اختار أن يحصن بها قلعته وهو يشتبك وجها لوجه في معركة المصير التي خاضها ضد النفس وضد قوى البغي والردة في المجتمع ..
لقد قضى عقودا لا يقرأ الجريدة إذ أضرب عليها بعد أن تبين حقيقة حال السياسة والسياسيين، وعاش لا يشارك الناس طعامهم، ولا يقبل منحة، ولا يرتبط بأهل، ولا يسلبه أمل دنيوي يبعده عن أوامر الله ونواهيه، ولبث متيقظا، ناقما على أبسط المشاعر التي تخامر النفس وتزين لها شهوات الدنيا، لاتمتد يده من سماط هذه الحياة - رغم الإغراءات والضغوط - إلا إلى ما كانت فيه حاجة تقيم أود الجسد..حاجة كانت - حقا - على حد من التقتير الارتياضي الذي أعطى كل تلك النتائج الروحية والكراماتية المرموقة..