تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا فهم النورسي قيمة الزمن .. وهو فهم إيماني بلا مواربة ..فالزمن عنده فاعلية ربانية تؤطر الكون لتقرر في خَلَدِ الإنسان العاقل بداهةَ البدءِ والإنتهاءِ .. إذ لا أطلاقية نشوئية وحشية -كما يزعم الزناديق - انبثق عنها هذا الكون واستوى بها صدفة ليمضي على وتيرة من الرتابة، وينخرط في سلك لولبي من التطور، تتمادى به نزوة التلقائية أو يطفر به منطق العضوية، فتحوله من شوه إلى شوه كما زعمت الداروينية والنشوئية وغيرهما من فلسفات الماديين..

بل لقد ضبط النورسي تجربة وجوده ذاتها على إيقاع زمني تنظيمي دقيق، بحيث رأيناه يتبع ما يمكن أن يسمى بفلسفة الإكتفاء .. تلك الفلسفة التي شملت مناحي حياته الفكرية والعملية على حد سواء، انطلاقا من استيعابه الخاص للزمن .. وكان من نتائجها بروز تلك الصورة المرتبة التي أخذتها حياته، سواء في جانبها الاحتماعي- بعدم الزواج وبالعيش المنقطع عن الناس- أو في جانبها الإقتصادي، بحيث ألزم نفسه بقناعة كفافية أغنته عن التطلع إلى غير باب الله، ودَرَّتْ عليه من الأفضال والكرامات ما عرفناه عنه.. أو في جوانبها الثقافية، بحيث حدد الوجهة التي سلكها في تحصيل معارفه واستمداد بيِّناته الروحية والعقلية، وحددها بالقرآن العظيم وصادر في ضوء تعاليمه الإلهية ما شاع وذاع من فكر وفلسفة وضعيين..

بل لقد سعى النورسي إلى أن يجسد واقعة النشور من خلال تكييف جذري لحياته وتحويل مجراها في الإتجاه الروحي المحض، وهو ما جعله يَقْبُرُ هويةً سعيد القديم، تلك الهوية التاليةً التي تَلابَسَتْ فيها منازع الروح والنفس فشوشت على المسيرة وأربكت الخطا، الأمر الذي حتم بعث هوية سعيد الجديد، تلك الهوية الجديدة التي أناطت وجودها بالزمن البعدي، فأضحت الحياة وتفاعلاتها مجرد أصداء تتناهى إليه من خلال انهماك روحي والتفات قلبي صوب الله..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢١٤