"..إن فرد الإنسان له ماض ومستقبل . إذ يجتمع في الشخص - معنويا - كل من مات منه من أفراد نفسه، إذ في كل سنة يموت منه فردان صورةً، ويورثان فيه معنييهما من الآلام والآثام والآمال وغيرهما، فكأنه فرد كلي .. وإحاطة فكره وعقله وسعة قلبه وغيرها تعطيه نوع كلية .. وكون فرده كنوعه في الخلافة والمركزية لعالم خاص كالعالم العام .. والعلاقة الشعورية مع أجزاء العالم وتصرفه في كثير من أنواع النباتي والحيواني والمعدني تحويلا وتغييرا خلافا لسائر الحيوانات وغيرها، أيضا تعطي له نوع كلية، كأن كل فرد نوع منحصر في الشخص .. ودعاء المؤمن لعموم أهل السموات والأرض يشير إلى أن الشخص يصير بالإيمان كعالم أو مركزه .. فما تجري في نوع الحيوان من القيامات المكررة النوعية المشهودة في كل سنة، فإن شئت فانظر إلى آثار رحمة الله في كل سنة في الثمرات المتجددة الأمثال كأنها أعيانها، وإلى حشر أنواع الهوام والحشرات بكمال سهولة من القيامة - تجري بالحدس القطعي في كل فرد من أفراد الانسان - فيدل كتاب العالم في هذه الآيات التكوينية على قيام القيامة الكبرى لأبناء البشر، كما يدل القرآن عليه بالآيات التنزيلية .". (1)
فالإيمان بالزمن البعدي أو باليوم الآخر - كما يرى النورسي - هو من أركان الايمان بالله .. وكذلك الإيمان بالقدر، خيره وشره .. إذ بذلك الإيمان يقر الانسان بأن ما يقدره الإنسان ويسعى إليه وينفذه.. هي جميعا حيثيات مشروطة بارادة الله، فهي - من ثمة - رهن بالغيب، أي بالزمن القابل المجهول الذي لا إرادة لمخلوق عليه، لأنه من شأن الله وحده .. فلا غرابة بعد هذا ‘"اذا ما وجدنا أن ثلث القرآن جاء يدور حول الحشر والآخرة" .(2).. وذلك ما يؤكد حقيقة النشور التي لا يفتأ النظر الإنساني المحصف يعاينها يوميا في ما تعج بها الطبيعة والأشياء حوله من حياة وتجدد..
(1) المثنوي العربي النوري ص 246.
(2) الملاحق ص 638