تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فدورة الزمن الصغرى ( اليوم ) والكبرى ( السنة) لا تفتأ تهمس للإنسان وتصيح - من خلال تبدلاتها وتغيراتها - بحقيقة هذا الوجود.. فليس هناك في كل ما يحدث تحت أبصارنا من وقائع هذا التبدل الذي يحكم الحياة وينتظمها، مؤشرٌ واحد يثبت العدمية..

بل إن العدمية - كما يرى النورسي- عديمة في ملكوت الله، فما نراه من ابتهاج المناظر الخضلة، ومن ازدهار الفصول النضرة، المتعاقبة، ومن انفعام الآفاق الفساح بالغضاضة والعذوبة، لا يشمله العدم والفناء بحال من الأحوال .. إذ حتى حين يداهمها موسم الجفاف واليبس فإنها وإن تحللت حقا وترمدت، وذرتها الرياح في الأفضية، إلا أنها لا تبيد، إذ أنها ببلوغها أوج انسحاقها، تشرع في تحقيق دورة النشور من جديد ..

" إن الأصل في الشيء البقاء، حتى أن الأمور السيالة السريعة الزوال كالكلمات والتصورات لها أيضا مواضع أخر يتحصنون فيها من الزوال، لكن يتطورون في الصور، حتى كأن الأشياء موظفون لحفظ الشيء إما بتمامه كالنوراني، أو وجه من الشيء يسارعون بكمال الاهتمام لأخذه ووضعه في قلوبهم الشفافة. والحكمة الجديدة تفطنت لهذا السر، لكن بلا وضوح، فلهذا أخطأت بالإفراط، فقالت لاعدم مطلقا، بل تركب وانحلال، كلا، بل تركيب بصنعه تعالى وتحليل بإذنه، وإيجاد وإعدام بأمره، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.." (1)

فمع الإيمان تتكشف الحقيقة الإلهية التي تحكم هذا الوجود وتجعله دائم التجدد..وذلك ما طفق يعرب عنه النورسي من خلال تلك الوقفات التي ظل يناجي بها قلبه ويبين له حقيقة التجدد التي تشرط ظواهر هذا الوجود :" "اِعلم يا قلبي أن ما يرى ملء الدنيا من آلام الإعدام إنما هي تجدد الأمثال، ففي الفراق مع وجود الإيمان، توجد لذة التجدد دون ألم الزوال ..".(2)

(1) المثنوي العربي النوري ص .232.

(2) المثنوي العربي النوري ص 212

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢١١