تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من هنا كان المؤمن يقرأ في إيقاع الزمنية آياتٍ من العبرة واليقين والإيمان راسخة، إذ أنه - وحيثما التفت - يجد حياله شواهد من الموعظة لا تُرَدُّ.. فأطوار السابقين وأوضاع من سلفوا هي مجال للإتعاظ والإعتبار، وكذلك وقائع الراهن وما يتقلب فيه الفرد من أحوال ومن متغيرات يومية ومرحلية، هي مادة للتفكير واستخلاص العبر.. ومن شأن ذلك كله أن يدفع بالكائن العاقل إلى التأمل في المصير الإنساني، فضلا عن مصيره هو، ضمن روح من الإيمان والوعي بأن عتبة القبر ليست إلا الباب الذي ينفذ من خلاله الإنسان - بما حاز من عمل صالح أو طالح - إلى الأبدية..

من هنا يختلف العبد المؤمن عن الجاحد ،وتتباين نظرة أحدهما للزمن مع نظرة الآخر .. فإذا كان المؤمن يعيش بوعي الاستمرار والتواصل، وبالوثوق من البعدية، فإن الملحد يعيش راهنه، إذ أن هناك رجاحةً غريزيةً تُغَلِبُ في روحه جانب الحيوانية على جانب البشرية، فيحيى متهتكا، لا يهمه من الحياة إلا ما يصيب من ملاذ تشبع نهمه الخسيس.. من هنا كان الفرد المؤمن - كما يرى الإمام النورسي - إنسانا زمنيا، أي أنه على صلة بجذوره الماضية، بوصفه جِبِلَّة حية، دائمة، تدين بوجودها إلى إله خالق، مقيدة بروابط المعبودية له، وموعودة بحياة سَرْمَدُها منوطٌ بما يقدم الفرد من صالح الأعمال.. على عكس الفرد الجاحد الذي هو مخلوق لا زمني، ترتهنه الساعة التي هو فيها، ويعيش مُنبتًّا مع الماضي، مبتور الصلة بالوجود في سيولته المنسابة بقدر.. ذلك لأنه " لا ماضي ولا مستقبل للضال" كما يقول النورسي .(1)

وربما اشتط الكافر في كفره، فأسند إلى الزمن دورا ربوبيا، فيضحى دهريا يردد ما حكاه الله عن فصيلته من الجاحدين :(وما يهلكنا إلا الدهر).

(1) الشعاعات ص.248

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢١٠