تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان الدهريون والملاحدة قد وقفوا من الزمن موقف المتبلد الذي لا يعي من الوقائع إلا ما يتصل بالحاجة الغريزية، الإستهلاكية، فهم في ذلك أشبه ما يكونون بالحيوان، فإن الحس الفطري والهداية السماوية وتعاليم الأنبياء والرسل عليهم السلام قد ألهمت الإنسان أن يستقرئ في خطى الزمن حقيقة هذا الوجود، ومآله، ومقاصده .. فكرور الساعات والأيام لا يعني أن الإنسانية تراوح في حلقة مفرغة، تستغرقها الإستنامة أو تَناسِي مصيرِها العدمي الفظيع كما يعتقد الملاحيد .. بل إن عجلة الزمن تتحرك مُسَيَّرَةً ومشروطةً بأجل وكتاب، تتقلب على إيقاعها صفحات تاريخ الكائنات في هذا الوجود المشرئب برأسه إلى الأبدية التي قضى الله بها مصيرا سرمديا يتوج هذه الأطوار التي سلختها الخليقة منذ البدء، والتي تعلمت خلالها - أو زاغت - في ضوء الهداية أو بانقياد للأهواء، ما شاء الله لها أن تتعلم..

فالفاعلية الزمنية شرط إيماني راسخ، لأنها الظاهرة الحسية التي تعكس على نحو معبر، القدرة الإلهية الخارقة التي لا تعترضها عوارض ولا تعيقها عن تنفيذ إرادتها عوائق..

فالثابت "أن هناك يدا خفية تعمل من وراء الظواهر جميعا، فما لا قوة له أصلا، بل ولا يقوى حتى على حمل نفسه، يرفع آلاف الأرطال من الحمل الثقيل .. وما لا إدراك له ولا شعور يقوم بأعمال في غاية الحكمة .. إنها أشياء إذن لا تعمل مستقلة بنفسها، بل لابد أن مولى عليما وصانعا قديرا يديرها من وراء الحجاب، إذ لو كانت مستقلة بذاتها، وكان أمرها بيدها، للزم أن يكون كل شيء هنا صاحب معجزة خارقة، وما هذه إلا سفسطة لا معنى لها..". (1)

(1) الكلمات ص.312.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٠٩