من هنا كان الصالحون يقدرون أن تجربة عبورهم للحياة تعاجلهم بقصرها وتَحَدُّ من طاقتهم ومما يريدون أن يستغرقهم فيها من عمل صالح يتقربون به إلى الله .. لذلك تراهم يلجأون إلى اتباع سبيل العزلة كحل اختياري يكفل لهم أن يمحضوا زمنيتهم على نحو أكثر خلوصا للعبادة والتقوى.. وكل ذلك سجلته سيرة النورسي ..
بل لقد رأيناه يُقِرُّ أنه اكتفى حتى في تعاليمه بإعتماد الأصول دون إهدار الوقت في مراجعة الفروع، إذ قصر الحظ الأكبر من الجهد والتركيز على مدارسة الكتاب والسنة، وعلى استقراء روح القرآن العظيم وعلى هضم مصادر الأقطاب والمرجعيات الشهيرين .. وهي خطة منهجية يعتمدها كل عالم، مدرك لقيمة الزمن ولأهمية استثماره على النحو الفعال، وهو ما اتبعه النورسي، إذ أن علاقته بالوقت لم تكن تسمح له بأن يتصفح كل المصادر التي تركها السلف والتي قد يكون فيها ما يغني الرؤية ويخصبها .. لقد كرر النورسي أن تعاليمه مستقاة من نبع القرآن، وأن ذلك كان نهجا إجلائيا على درجة من النورانية لا تنكر، إذ أن الاستقاء المباشر من نبع القرآن قد كفل لتلك التعاليم الصفاء من جهة، وكفل له - هو - تزكية الوقت من جهة ثانية:
"..الوقت ضيق، ونحن ضعفاء فلا نجد متسعا من الوقت كي نستفيد من تلك الآراء النيرة ".(1)
(1) الملاحق ص.192