تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل لقد كان التزامه الحدي بالفاعلية والنفاذ، أو بتسخير عامل الزمن على نحو صارم، يتبدَّى في علاقاته العامة المحدودة، بل حتى مع طلابه.. لقد كان جنوحه للوحدة جليا، إذ أنها كانت وحدة تفكير وانجاز واجتهاد، وهو ما كان يجعله يحرص عليها، وينشدها، ويتجنب كل ما من شأنه أن يقطعها.. لقد بلغ به الحرص على صون تلك الوحدة أن راح يعلن لطلابه عن ضرورة تركه يتفرغ لما كان يعالجه من تفكير وتدبر ومعالجة روحية وفكرية لأوضاع أمة أضاعت طريقها وغفلت عما تتوفر عليه من أسباب الفلاح..

بل لقد رأيناه يستثقل حتى مهمة التدخل لإسداء النصح والتوجيه لأتباعه من التلاميذ، وما ذلك إلا لأنه كان يرى في ذلك التدخل لا سيما إذا أضحى متابعة دائمة- على أهميته - إشغالا له عن التفرغ للأهم والأنجع، وهو العبادة البناءة ..

ولقد وجدناه يذهب في الصدد الترشيدي بعيدا، بحيث ألفيناه يفتي الأمة بعدم تخصيص زمنيتها الحاضرة للإشتغال التصوفي، إذ أن الملة وراية المسلمين المنتكسة تحتم على كل ذي لطافة روحية أو عقلية أن يسخرها في سبيل تحقيق النهضة التي تصان بها البيضة، ويتقوى بها دين الله للرد على انتهاكات الأعداء الذين تداعوا للإجهاز عليه بشتى الوسائل.. من هنا راح الإمام النورسي يكرر لمستفتييه قناعته وهي أن:" ليس زماننا زمان طريقة..". (1)

لقد كان الإحساس بوجازة الزمن، وقصره، وسرعة تصرمه، من الهواجس التي سكنت النورسي وحكمت مزاجه..

والواقع أنه إحساس نابع من الرؤية القرآنية للحياة، إذ أن من الصور التي رسخها القرآن للدنيا في وجدان المسلم، وقتيتُها وسرابيتُها وسرعةُ ذوائها، فهي الغثاء ،وهي الهشيم الذي تذروه الرياح..وهي باختصار نضارة آنية لا تلبث أن يدركها الجفاف والفناء..

(1) المكتوبات ص.79.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٠٦