تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد ساقته الأقدار لأن يقف موقف التبني لأوضاع أمته ومآلها، إذ كان في قلب الجبهة، وفي مواجهة الصراع .. فضلا عما كان له من إيمان روحي راسخ ومن حظوظ علمية تهيئه لأن ينهض بالدور الإحيائي الذي تفرضه عليه المرحلة، فكان لا مناص له من أن يتحمل المسؤولية وأن يؤدي واجبه في الإحياء وبعث المقومات.. من هنا تشبث بعامل الزمن يستثمره على أروع ما يكون الاستثمار، لقد كانت اللحظة بالقياس إليه سانحة لا يمكن أن تمر عليه من دون أن يقبس فيها قدحة تبدد بعض ما يرين على الأمة من داجي الظلمات..

لقد كان وعيه الحاد بقيمة الزمن تتبدى في سياسته الاجتماعية التي اختارت العزلة الفاعلة، وفي مسلكه المعيشي الذي قام على التكفف الصارم، وفي طبيعة التعاليم التي كان يدعو إليه، إذ هي تعاليم حصرت نظرها في القرآن ليقينها من نفاذ وجدوى تلك التعاليم، مقارنة بما راج ويروج من اجتهادات وضعية متهافتة..

لقد استطاع النورسي أن يضبط حياته في مختلف مستوياتها الروحية والإجتماعية والفكرية وفق نظام صارم قائم على الدقة والفاعلية..

لقد كان عنصرا بشريا فاعلا تجاوز نطاق فرديته بما انطوت عليه جوانحه من روح انشغلت بواقع الإنسانية قاطبة، إذ راح يراهن على المصير وعلى قَلْبِ أوضاع مدنية وحضارية لأمة اختلت زمنيتها، فارتكست عن المضي في طريق الرقي وترشيد العالمين لما في صالح الإنسان .. وذلك ما حتم عليه أن يندمج في المراهنة بكامل الاستعداد، وبوعي راسخ بأن للحظة معادلا موضوعيا من الفعل والتقويم والانجاز، لا سبيل لتفويته..

ولقد تجسدت لديه صرامة التقيد بذلك النهج القصدي الاقتصادي في ميادين الحياة الفطرية، إذ أن اضراب النورسي عن التأهل والزواج مثلا ، لأسطعُ دليل على مدى الانهماك الذي كان يُنَفِّذُ به مشروعه الإحيائي الحضاري..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٠٥