ومن جهة أخرى كان النورسي ينظر إلى الزمن كتاريخ يتجاوز في مداه حدود التقويم الشخصي، إذ هو ظرفية وجودية مترامية تتداولها الأمة بكاملها من خلال تلاحق أجيالها واسترسالهم في الزمن، بغض النظر عن أحوال هذا الاسترسال وما يعرو الأمة عبره من أطوار قوة وضعف .. لقد كان النورسي يعي أهمية هذا الانفساح الزماني، وكان يُقَوِّمُ حلقاتِه المتصرمة بناءً لتوقعات مصيرية قابلة، مستحضرا العبر والدروس في مداركه ومساعيه من خلال استقراء دائم للتاريخ الاسلامي واستنطاق زواياه..
إن هذا الانفساح الزماني كان النورسي يراه في صفحاته الماضية أغر، أبلج، من خلال ما أنجزت الأمة وما أدت من مكاسب على مختلف الأصعدة الحضارية والمعرفية تجاوزت بنفعها النطاق الاسلامي لتشمل البشرية قاطبة، وكان يرى قابل ذلك التاريخ صعيدا مفعما بالآمال والتباشير، ومآلا كفيلا بتعديل اختلالات الأطوار التي أتت على أمة وهي رهينة بعهود الحطة واللادور..
لقد كان العمر بالقياس إلى الداعية برهة لا تَسَعُ كل ما تحفل به أعماقه من أحلام ومآثر يتطلع إلى تحقيقها.. لذا رأيناه لا يفتأ يشكو من تسارع انسياب الزمن، ومن ضيق فسحة العمر حيال ما كان يملأ القلب من آمال ومشاريع صالحة..
لقد كان نضال النورسي يقوم - في جانب كبير منه - على مطمح تثمير الزمن واستيفاء قيمته بحكمة، كي يستوعب ما يعتلج في النفس من برامج كان مصدر إستلهامها وتخطيطها القرآن العظيم.. لقد كان النورسي منخرطا في معركة داخلية تستولي على كامل اهتمامه وتستأثر بتركيزه، لأنه شاءها أن تناط بمصير الأمة في ضوء مقررات القرآن العظيم..