تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد تواترت الإجتهادات التي سعى من خلالها المفكرون وأهل الحكمة إلى أن يفهموا حقيقة الزمن، وتنوعت الرؤية واختلفت باختلاف زاوية النظر التي سدد منها المفكرون والمنظرون مقارباتهم، وتراجحت المصادرات - التي قوَّموا بها مفهوم الزمن- بين السلب الذي لا يعطي للحدث الزمني كبير ثقل في هذه الكينونة الوجودية التي تحياها المخلوقات على ظهر البسيطة، وبين الإيجاب الذي يحتفي بالزمن ويعطيه ثقلا محوريا بحيث يرادفه بالفاعلية الأولى، الخالق سبحانه عز وجل ..

ولقد جاء القرآن العظيم، فصدَّر آياته البينات برؤية ربوبية ليس شرط الزمنية فيها إلا مظهرا من مظاهر الكلية التي خلق الله بها عوالم هذا الكون وأدارها، واستن لها نظم سيرورتها .. فالزمن في القرآن جاء عاملا حيويا وتنظيميا، تتقوم به منجزات الكائن البشري، وتسترسل - على رتابة جريانه- ظواهر الحياة والمعاش والعمران .. فهو مادة الحساب، وهو وسيلة التقييد ومَعْلَمَة المسيرة البشرية، وهو المنبه الوجودي الذي لا يفتأ يذكرنا عبر تبدلات المواسم والأطوار، بمآل الإرتحال الذي هو مآلنا.. إن الزمن قد تقمص في الرؤية الإسلامية هيئة الواعظ الذي لا تخطئنا تنبيهاته في الحل والترحال، وهو ما أكده تواتر آيات النظر و الإعتبار : ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة المكذبين).

وجاءت السنة النبوية الشريفة فأعطت للزمن وظيفته التسخيرية، بكونه مظهرا ينطوي في دلالاته على رسوخ قدرة الله وعظمة ملكوته..

ضمن هذا المنظور الإلهي استوعب النورسي مفهوم الزمن.. لكنه -ولما كان الاحساس بالزمن أمرا نسبيا - فقد رأينا النورسي يعيش على علاقة قلقة مع الزمن، إذ كان شعوره بإفلات مقادة العمر منه يجعله يدرك أن وجود الكائن البشري في هذا الحياة إنما هو وجود قدري، ولن يسعه حيال هذه القدرية إلا أن يعيش المشيئة الإلهية بتسليم ورضى لا يكفلهما له إلا الإيمان .

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٠٢