تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو ما كان يستبصره النورسي ويضنيه، ولا يقبل السكوت عنه، إذ أنه بتصديه للدفاع عن العربية كان يراهن على مكسب، بل على أحد الثوابت المقدسة التي كان يريد من الثورة الإصلاحية التي ظل ينشدها، أن تعززه، وتقوي من جانبه، وأن تستبقيه سلاحا بِيَدِ الأمة، ووسيطا فعالا في عملية ترميم التصدعات التي كانت بادية للعيان في الجدار الحضاري الإسلامي..

* * *

الفصل الثالث

مسألة الزمن

تحسس لمفهوم السيرورة كما تمثلها النورسي

".. نعم فكما أن لكل شيء حقيقة، فحقيقة ما نسميه بالزمان الذي يجري جريان النهر العظيم في الكون هي في حكم صحيفة ومداد لكتابات القدرة الإلهية في لوح المحو والإثبات .. ولا يعلم الغيب إلا الله.." (1)

مما لا شك فيه أن مسألة الزمن أو الزمنية، قد طرحت منذ القديم على الانسان بكونها إشكالا وجوديا ومعرفيا ظل العقل الإنساني يواجهه ويسعى لاستكناهه وإدراك ماهيته عبر الأطوار التاريخية المتلاحقة..

فالزمن ارتبط في كثير من الفرضيات الفكرية والفلسفية بقضية الخلق والوجود، فقد ظل الانسان يتساءل عن مبتدإ هذا الكون، وعن القبلية والبعدية، وعن العدم والحركة، وعن أولية الخلق وهل لها أولية ..

وظلت أفكار الإنسان مصدومة بهذه المفارقة العجيبة التي تتمثل في ظاهرة الزمن، تلك القوة اللامرئية، واللاملموسة، والفاعلة - مع ذلك - بلا هوادة في كل مظاهر الحياة والكون، والملابسة لأحوال الخفاء والعلن، والمحسوسة من خلال تعاقب هذه الآناءات التي تراوح على الكائن البشري وتحوله من طور إلى طور، وتتيح له امكانية تحويل المجال من حواليه .. تلك القوة الخارقة التي تتحداه بِصَمَمِها وبشمولية قبضتها، فهي تستوعب الكون في كليته، وتدور في وتيرة لا سبيل إلى تحويرها أو تكييفها، إذ هي الحاضرة الغائبة في إحساسنا، وهي رديف للموت والزوال، وللتجدد والنماء، على سواء..

(1) المكتوبات ص .46

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٢٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٢٠١