فالأعداء الذين أيقنوا أنهم لن يقهروا الأمة وهي ملتحمة - ولو بحد أدني من أسباب التلاحم والروابط الجامعة - سيلحقون بها الهزائم ما أن يفلحوا في تشتيتيها وشرذمتها .. ولقد كان الرباط اللغوي أهم الأهداف التي سدد الأعداء نحوها، إذ أدركوا أن من خلالها ستُضرَبُ الرابطةُ الروحية ويضرب القرآن نفسه، وتُضرَبُ الرابطةُ الشعوريةُ، من خلال التفريق اللساني، الذي سيعيد الأمة إلى حال القوميات والشعوبيات.. من هنا استهدفت قوى الشر اللغة العربية، لأن الإجهاز عليها كان سييسر على الماكرين مهمتهم التشتيتية..
ثم إن الدفاع عن العربية، لسانا جامعا، كان دفاعا عن اللحمة الحضارية، وعن مكسب مدني وثقافي وسم الحضارة الإسلامية وأرسى دعائمها العالمية، إذ جعل لسانها لسانا أمميا، ورابطة وجدانية بين الأصقاع والمجتمعات..
فالتفريط في العربية أو مهادنة الهدامين إنما كان انهزاما وتفريطا في جبهة حررتها الأمة، وكان تخليا لا مبرر له عن حرمة جانب قدسي من المنجزات التي بذلت فيها الأمة بالغ الجهود والتضحيات من أجل توطيدها بين شعوبها..
بل لقد كان انتشار العربية وإن تفاوتت حظوظ المجتمعات الاسلامية منها، بمثابة الوديعة التي من حق الأجيال أن تسألنا عنها وتطارحنا الحساب..
بل إن من شأن الضمير الحضاري للأمة أن يساجلنا بصددها إذا ما تخلينا عنها وتركنا الماكرين يغيبونها تيسيرا لمرور مشاريع الإستعمار، وتمكينا لأعداء الملة أن يخترقوا حواجز الحرمة التي لا تتخلى عن صونها إلا أمة رضيب بالمهانة والهوان..