تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذا يمكن أن يقال بأن الرؤية اللغوية هنا أخذت - بهذا الإصرار على إستبقائها عربية - بعداً مستقبليا (استراتيجيا)، لأن الوحدة اللغوية ظلت دائما عند النيرين، الركن الذي تشاد عليه كل مدنية ملية ناهضة.. ولقد تمت نهضة إيطاليا وألمانيا وفرنسا ( الغولية) وغيرها من أمم الغرب على الإرتكاز اللغوي الذي جمع الطاقات، ولحم القابليات، وفتق القدرات في إطار جماعي متناغم.. وكان ذلك شأن المدنيات القديمة، ولم يكن ذلك يخفى على النورسي، لذا رأيناه يشن الحرب الضروس على مشاريع التتريك، ويصدر الفتاوى التي تحظر التحول اللغوي في مجال العبادات وتلاوة القرآن، وكان قصده أن يعيق مشاريع المسخ والهدم التي كانت تستهدف الأمة الإسلامية..

والواقع أن نظرة النورسي تلك، لها ما يبررها حتى في واقعنا الراهن الذي تعززت فيه وسائل الارتباط، وتيسرت الصلات.. فتعليم أكثر من لغة بات سياسة منتهجة في كافة البلاد، لا سيما البلاد الواعية حضاريا، وعدم سكوت النورسي عن التحول الذي بادرت إليه القوى المتغربة، لم يكن رد فعل سياسي، معارض، وجد في المسألة اللغوية مشجبا يتعلق به، فمضى يشاغب من خلال التأكيد على أهميتها - كما هي عادة محترفي الساسية الذين نراهم يناورون بالمطالب من أجل أن يغالبوا على الكرسي، دون أن يكون لهم إيمان حقيقي بمطالبهم ..

بل لقد رأى النورسي في تلك القضية أمرا مبدئيا، لا محيص عنه، ولا سبيل إلى مجاوزته، وهذا لصلة العربية بالعقيدة أولا، وثانيا لأن التخلي عن استخدام اللغة العربية في البيئات الإسلامية كان من مراميه تحقيق الفرقة على صعيد واقعي، وهو ما كان الاستعمار والصهيونية يراهنان عليه .

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٩٩