تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أعاد النورسي مشغل الإجتهاد إلى نطاقه المعرفي والروحي الذي ظلت الفيئات المسلمة تمارسه من خلالها عبر عصور الفاعلية والازدهار.. إذ رسم الحدود التي رأى أن الظروف المرحلية الراهنة تقتضيها، وهي أن يستثمر المسلمون النطاق الفقهي الفرعي، وأن يصونوا الخوض في شرع الأصول لما كان يحدق بالأمة من مخاطر تستهدف أسس شريعتها..

فالتحوط هنا ليس إلا إجراء تحصينيا، اجتيازا للمرحلة، وحتى تتهيأ للأمة شروط أفضل وكفاءة أرقى تمارس بها الاجتهاد ..

بل لقد رأينا النورسي يوعز لنا بمنهاج اجتهادي، عملي، مثلته سيرته هو نفسه، إذ أن رسائله كانت في الحقيقة منظومة من الأحكام والتعاليم والتخريجات والفتاوى التي شملت سائر المجالات الحياتية .. فهو من خلال تلك السيرة قد أصل منهاجا في السلوك السياسي، وحظر على المسلم إذا ما عاش في ظروف تشبه ظروف تجربته أن يمارس السياسة بصورتها الحزبية، وأفتى له مقابل ذلك، أن يتمرس بالسياسة من خلال بناء استراتيجية ثابتة، مؤكدة النجاج، وذلك باتباع بناء المشاريع الجماعية المبرأة من الحسابات الفيئوية أو قصيرة المدى.. كما أنه حرم في الاقتصاد آفة التبذير، وبين اقتران الكرامة بالنفقة المرشدة، وجعل من حال الأفراد في هذا المجال حال الأمة، وبذلك حرم الاقتراض، وحرم الاسراف، وحرم العبث بأموال الشعب ..

وهو في الجهاد سن الاعتراك المادي، متى كانت المهاجمة تستهدف الحمى، وسن سلوك الجنوح إلى السلم متى كان الوطن منيعا، ومتى كانت الكرامة غير كليمة.. أو حين تكون العدة والكفاءة غير متوازية، فعنئذ تترجح كفة المسالمة تأهبا وتسلحا واكتسابا لكل ما من شأنه أن يحقق المنعة، ويكفل الوجاهة ..

سيرة النورسي الحياتية مدونة اجتهاد نظري وتطبيقي مدهشة

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٩٢