كما يسجل - من جهة ثانية - أن اختلاف طبائع البشر وأوضاعهم الاجتماعية هي التي بررت تنوع المذاهب، وأن ما يلاحظ من تفاوت في المعيار الفقهي حول بعض الأحكام، هو ناتج عن التفاوت الحاصل بين أتباع تلك المذاهب لتفاوتهم في مستوى الحضارة ..
فلا غرابة - والحال تلك كما يضيف –أن نجد أتباع الشافعي يجعلون من مس المرأة علةً لانتقاضِ الوضوء.. على خلاف الأحناف الأكثر تحضرا وتمصرا، إذ لا يرى هؤلاء في مس المرأة مدعاة لانتقاض الطهر.. كما أنهم يسمحون بقدر درهم من النجاسة، وما ذلك إلا لأنهم أهل اجتماع ومدنية ومراس حضري، تقتضي ظروف عملهم أن يتكيفوا مع الأحكام على ذلك الوجه.. (1)
ومن الجلي أن فهم النورسي للإجتهاد هو فهم موضوعي، إذ يربط الاجتهاد بجملة من المعطيات والعوامل، في مقدمتها الشرط المدني والحضاري .. وهو شرط كما نرى كلي تتدخل فيه عوامل النفس والثقافة والاجتماع والعمران والمكان والزمان.. عوامل منوطة بالتوسيع والترخيص، إذ أن المدنية تقتضي التجدد في الآليات والارتفاقات والمتطلبات، وذلك ما يجعل من الاجتهاد فاعلية تكييفية تضبط مسطرة التجدد بحيث تحفظ أصول الشرع وأركانه دونما إعاقة للمكاسب المدنية التي تتهيأ للأمة عبر أطوار تقدمها.. من هنا كانت نظرة النورسي متفتحة، رغم التشديد الذي أحاطه بها إذ أن تفهمه للتفاوت والاختلاف الذي كانت عليه مسطرة الاجتهاد كما مارستها المذاهب، يؤكد ترجيحه لمبدإ الرخصة الاجتهادية..
و يعني هذا – بداهة - أنه لا يمكننا أن نستنتج مما اشترطه النورسي للمراس الاجتهادي أنه سد بابه، بل علينا أن ندرك أنه عمل على الإعلاء من شأن الوظيفة الاجتهادية والسمو بها عما لحقها من حال ابتذالية آلت إليها خلال عصور الانحطاط..
(1) الكلمات ص.570.