ومع ذلك تظل الدلالة القرآنية المجال الإلهامي الفذ الذي يمكن للعقول أن تستمد منه الفوائد المتجددة .. من هنا تبدو مساعي تفتيق النص القرآني واستبانة استنهاضيته أمرا سائغا، وممكنا، ولا ضير فيه..
إذ لا ننسى أن السلف قد جزموا بشموليته واعتماره بكل ما يفيد الانسان ويطلق عنانه لبلوغ القوامة الاستخلافية .. لقد صرح ابن مسعود، أن من شاء علم الدنيا والآخرة فليثور القرآن .. ومما لا شك فيه أن تثوير القرآن لا يتأتى إلا بهذه الروح التي تستبطن النص القرآني وترى فيه ما لا ترى الأذهان السطحية..
ضمن هذا السياق يتبرر اجتهاد النورسي ويأخذ عمله الاستقرائي كامل مغزاه، فهو حين يستبين في ملامح النص القرآني، من خلال آيات بعينها، إيعازا إلهيا يفسح حيال عباده المؤمنين المجال الابتكاري والتجهيزي، لا يخرج بحال من الأحوال عن المرامي التسديدية التي قصد الله إليها من خلال تواتر آياته البينات..
وإذا كان ليس من حق المسلم أن يتمحل ويُقوِّلَ النص الشرعي ما لا يحتمله، فليس هناك ما يمنعه بتاتا من أن يستجلي في طلعة الآيات البينات كل ما من شأنه أن يعزز مشيئة الله التي اقتضت من الإنسان أن يعمل من الصالحات ما يكفل له الخلافة السامية على هذه الأرض..
من هنا لا ضير أن يرى المصلحون في الآيات ما تيسر لهم أن يروه من معاني الإيقاظ، والإهابة، والإعلاء، والاستنهاض، والتثوير التي تهيئ للانسان- في كنف تعاليم الله- الرشاد والنفاذ والفاعلية التي تتعزز بها درجة تكريمه وتفضيله على سائر المخلوقات..
إذ لا كرامة لإنسان ضعيف من حيث شاء له الله أن يقوى بما حفَّه به من مقدرات، ولا قوامة لعبد مفتقر وعاجز عن استثمار خزائن الله التي وضع مفاتيحها بين يديه، كما لا اخلاص لمن لا يوكل أمره كله لله، إيكالا لا يقعد به عن واجبه التعميري الذي دأبت الآيات تحضه عليه وتحفزه من أجل الاضطلاع به..