والحقيقة أننا إذا ما أردنا أن نقف قليلا عند هذه المسألة، فإننا لا نتردد في إرجاعها إلى ما يعتقد المسلمون من شمولية القرآن العظيم ..فلقد تواتر عند المسلمين أن القرآن كتاب شامل لم يغفل شيئا، ولا فرَّط في أمر، وهو ما كرس الإيمان بشموليته ورسخها في نفوس الأجيال .. من هنا لا يُستغرب أن نرى المجتهدين المسلمين يستنتجون - على مر العهود - للفحوى القرآني كل جديد وكل مبتدع يطرأ على الحياة، وخاصة في حقل المعارف والمبتكرات ..
غير أن العديد من الاستنتاجات التي يشاء أصحابها أن يستبينوا ملامحها في النص القرآني لا تحوز دائما القبول، لما يسمها من سطحية وتعجل وتمحك لا تخطئه العين في أحيان كثيرة، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأصوات الرزينة تنفي عن القرآن ما لحقه جراء تلك التمحلات من استنتاجات مفتعلة..
وفي هذا المجال لقد رأينا كيف نفى النورسي أن يكون القرآن كتابا للجغرافيا والفلك أو لغيرها من العلوم ..
وإذا كان الاعتبار الشمولي للكتاب أمرا ثابتا ولا جدال فيه، فالذي لا ينبعي أن يفوت المؤمن هو أن يعي طبيعة التوجه الروحي التي يصدر عنها القرآن العظيم، من هنا فلا ينبغي لنا أن نرى في اعتراضات من لا يرى القرآن مصدرا تقنيا للذرة أو للفزياء العضوية مثلا، حطا بقدسية النص، أو تشكيكا في ربوبية مصدره، إذ أن هدرنا لمعنى الشمولية القرآنية - إذا ما ابتذلناها في وحل التأويل المتسرع والمرتجل والذي لا يصون نزاهتها ومراميها الترشيدية العامة - لا يعود علينا بطائل..
ثم لا ينبغي للمسلم أن يغفل الطابع الخطابي العام الذي يميز القرآن ويميز أدبيته البيانية الكلية، وهو ما يجعل من عملية ربط الفحوى الديني والتوجيهي بالمبتكر وبالمستحدث أمرا مُعْنِتاً ، لا يستجيب دائما بالوجه الذي يرقي بسائر الاستنتاجات إلى حد التطابق مع ظاهر الدلالة..