وحيث أن أسماء الله سرمدية لا تزول، فكذلك تجلياتها التي هي هذا الكون وما يعمره من عناصر ومكونات مشهودة وغير مشهودة.. باقية لا تزول:
" إن الأشياء لا تمضي إلى العدم ولا تصير إلى الفناء، بل تمضي من دائرة القدرة إلى دائرة العلم، وتدخل من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وتتحول من عالم التغير والفناء إلى عالم النور والبقاء، وإن الجمال والكمال في الأشياء يعودان إلى الأسماء الإلهية وإلى نقوشها وجلواتها من زاوية نظر الحقيقة"(1).. فالبقاء من سنن الله، إذ من سننه أن لاتنعدم إيجاداته، وهي وإن عراها التغير، فلا ريب أنها تتجدد بفضل تعهد أسماء الله الحسنى لهذا الكون...(2)
وحيث أن تلك الأسماء باقية وتجلياتها دائمة، فلا شك أن نقوشها تتجدد وتتجمل وتتبدل، فلا تذهب إلى العدم والفناء، بل تتبدل تعيناتها الاعتبارية، أما حقائقها وماهيتها وهوياتها المثالية التي هي مدار الحسن والجمال ومظهر الفيض والكمال فهي باقية، فالحسن والجمال في الأشياء التي لا تملك روحا يعودان إلى الأسماء الإلهية مباشرة.. (3)
ومن الواضح أن رؤية النورسي إلى العدم والوجود هذه لا تحمل أدنى مماثلة مع منطق التناسخ البوذي الذي يرى أن الأرواح تتناسخ وتتغاير من حيث خلقتها ومصائرها الوجودية في ضوء أعمالها ومقترفاها..
فنظرة النورسي قرآنية تؤمن بالبعث والنشور، وبالجزاء والعقاب، وبالقبر وسؤاله، وبالقدر وقضائه.. فهي نظرة لا تحيد عن تعاليم القرآن والسنة النبوية الشريفة .. من هنا كانت نظرية انعدام العدم في الوجود التي يقول بها، لا تأخذ هذا السياق الأنتروبولوجي ذا البعد الإفتراضي، والذي يعتبر الوجود دورات جزائية – ارتقائية -مشهودة لا تنقطع
(1) م.ن ص 371
(2) م.ن. ص 371
(3) م.ن. ص 370