تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما أن للدعاء أهميته النفسية المؤكدة، إذ أن الداعي - لحظة الدعاء - تتفتح نفسه على يقين تواصلي مع الله، إذ يدرك لحظتها ولو غير شعوري أنه يتوجه إلى قاهر قادر، رحيم، لا فوقية له ..الأمر الذي يبين أن الدعاء طاقة وجدانية تتسع بها مساحة الواقع وتأخذ رحابة بما يقوم عليه من أبعاد غيبية تنضح بها مشاعر الداعي والمتضرع.. وفي ذلك ما فيه من أسباب خلوص الإيمان..

هكذا يمضي النورسي في اِبراز المناحي القلبية والروحية التي تتسع لها مَوْجِدة الدعاء، باسطا القول فيها بحيث جعلها تتجلى في ذهن المتلقي وتأخذ هذا البعد التمثلي الذي أبان مستوياتها ..

ولا شك أن من شأن ذلك أن يقوي من روح تمسك المسلم بإيمانه، إيمان يجعله يظل في رحاب الله أينما حل، من خلال موجدة الدعاء والاستعانة .

لقد تجاوز النورسي بمثل هذه القراءة المرشدة لمفهوم الدعاء، الإطار التقليدي السالب واللاعقلي الذي ما انفكت ظلال الاعتقادات الخرافية تحيطه به على مدى عصور وعصور..

إرادة الانسان من إرادة الله .. وقانون العلة والنتيجة هو بمثابة الدعاء المشروط بالمشيئة الإلهية

إن ما يميز فكر النورسي في مجال الاعتقاد هو إقراره بدور الفرد في تحمل المسؤولية الحياتية، إذ معنى التأهيل الذي حازه المخلوق الانساني، هو هذه الإرادة التي تواجه قدرها المقدور بإيجابية وعزم، وليس بإحجام وموات.. من هنا كان مفهوم التوحيد -الذي يقود إلى التسليم والتوكل - وبالتالي إلى سعادة الدارين - لا يعنى القعود أو مناهضة الأسباب التي لم تتهيأ بنفسها أو من تلقاء ذاتها، وإنما جسدت القانون الإلهي الذي تسير وفقه الحوادث وتحصل التطورات..

ولذلك لا يتسنى لأي جهة أن تغير أسس القانون الإلهي الذي تمثله تلك الحتمية الصارمة التي تجرى على سننها الظواهر..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٧٩