بل لقد كان ذلك الوازع الكفي الذي اتبعه النورسي مع نفسه، هو السياسة التي سلكها الأطهار من الصحابة والأتقياء الصالحين في كل عصر.. إذ جعلوا من مهمة تهوين النفس الأمارة، وإرجاعها إلى حال من الانقياد لأوامر الله ونواهيه، الباب الذي ينفذون منه إلى رحاب السعادة والإنعتاق من كابوس الشهوات والمفاتن والموبقات..
فعلاقة النورسي مع نفسه ومع ميولها وتفلتها من طوق الإيمان كانت علاقة قمعية لا هوادة فيها ..
وما أكثر ما كان يرفع صوته إعترافا بما كان لا يسع النفس إزاءه إلا أن تستخزي وتندحر، لقد كانت إعترافاته تأخذ أحيانا صورة الإعلان الإشهاري الذي ينفض – بالساحة، وعلى أعين الأشهاد - كل ما تحوي الجعبة..
لقد كان فضحه للنفس إشهادا معلنا بين الناس، من شأنه أن يلهمهم شيئا مما يجب أن يلزموا به النفس إذا شاؤا أن يسلكوا طريق الصلاح ..
لقد لبثنا نسمعه في العديد من المرات يهتف بأعلى صوته في الناس :
"..يا أيها الإخوة .. لن أبوح بكثير من مساوئ هذه الشخصية ومن أحوالها السيئة، لئلا أنفركم عني كليا.. فالنفس أدنى من الكل، والوظيفة أسمى من الكل .. (1)
وتلك منقبة أخرى من مناقب هذا الطاهر الذي سحق النفس فظفر بالعظمة المستديمة..
كيف قرأ النورسي مسألة الدعاء ؟
بل لقد قرأ النورسي حقائق روحية جملة ظل الذهن الاسلامي - وفي كثير من مستوياته - يتداولها كتلقينات يأخذها الخلف عن السلف من غير أن يكون لها في الذهن صورة تقرب من واقعيتها.. من ذلك مثلا فكرة الدعاء.. فأن يدعو الفرد لابد وأن يقر في ذهنه - ولو بدرجة توقع نسبية - أن دعاءه سيتقبل ويقابل بالإجابة.. هذه هي قناعة الفرد العادي، إذ أن إنسداد الأفق في وجهه يجعله يعنت النفس في إيهامها أو في حملها على أن تؤمن بأن الدعاء مفتاح الفرج.. الأمر الذي يجعل الإيمان عرضة للخيبة، إذا لم تتحقق الاستجابة المؤملة..
(1) م.ن. ص412