وهنالك شخصيته الأصل، شخصية سعيد القديم التي لبثت تلازمه، رغم الجهاد المستمر والمرير الذي تعهدها بها، اقصاء لها عن ساحته، إذ هي شخصية لا تفتأ تنزع به إلى طبيعتها الأرضية الأولى، إذ تحرك فيه " رغبة الرياء وحب الجاه وتجنح به إلى التلبس بأخلاق وضيعة مع خسة في الاقتصاد، حيث أنني لست سليل عائلة ذات جاه وحسب.."(1). الأمر الذي كان يحتم عليه أن يبقى في حال من اليقظة والوعي بحيث لا يخترقه الغرور جراء امتداح الناس له .. ذلك لأنه كان يدرك أن حقيقته التي لا يعلمها إلا هو بعد الله، إنما هي حقيقة ترابية، لا تبرح مشدودة إلى السمعة والترف، وإلى الإمتلاك، وإلى تسنم ذرى الرفعة..
لقد كان يحمله منطق تأنيب النفس، وكسر سورة غرورها، وإلجام جموحها إلى الرياء والنفاق، على المضي في فضح ما يعتور تلك النفس من مشاعر سافلة محتدمة في الأعماق، متسترة لئلا يكشفها الناس، فكان - من ثمة - لا يفتأ ينعت نفسه بالمعايب، مظهرا ما يمور في أعماقه من توق محموم ونوازع خسيسة لا يراها الناس.. وكل ذلك قمعا لجنوح النفس، وتقييدا لألاعيبها المردية ..
ومن الواضح أن مجرد رمي النفس بما كان النورسي يرمي نفسه، وعلى تلك الصرامة التي لا تعهد، إنما كان وجها من وجوه التربص بالنفس وتحسيسها المستمر بالرقابة، واتهامها بالنقص، مهما كان مقدار القوامة الورعية المكتسب..
لقد كان النورسي في حرب مكشوفة مع النفس الأمارة، وتلك سجية ترويضية اكتسبها -دون شك- من ملابسته القرآن ..
فلقد كان القرآن ضميرا قدسيا ظل يتعهد سيد الأولين بالتوجيه والتأديب، فكانت نزغات النفس إذا ما اعتملت في وجهة غير سديدة، بادرتها الآيات المنزلات ترشِّدها وتعيدها سواء السبيل.. وذاك هو – دائما - شأن القرآن مع المتقين..
(1) م.ن. ص411