تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان وقوفه في حضرة الله، في أوقات العبادة، يكشف له دائما عن قصوره وتقصيره وفقره وضعفه وعجزه حيال الله، فما يتلبسه من هوية روحانية يثوب إليها حال انهماكه في العبادة ، كان يجعله دائما يحس بحقيقته الهينة تلقاء الله، فيزداد ابتئاسه ويزداد ألمه، إذ يرى البون بينه وبين الصفاء ما يزال بعيدا.. وتلك كرامة أخرى تحسب له، إذ نأى بمثل هذه الرقابة الصارمة للذات، عن أن ينزلق في وحل الغرور والادعائية..

إن شيئا من هذه الثنائية المركبة التي تصدر عنها نفس الفرد، وما يتلاطمه من نوازع السلب والايجاب، وما يعروه من رجاحة لروح الخير أو روح الشر فيه، برجاحة هذا البعد من تلك الثنائية أو ذاك، هو ما طرحه النورسي على صورة فكرية تمثلية حين تحدث عن " أنا " الانسان- وذلك جانب فكري سنتحدث عنه في غير هذا المكان- حيث أن النورسي قد استوفى فيه النظر بتحليله لنفسية الكائن البشري، مستثمرا عُدَّة مصطلحية كان التعامل التحليلي الغربي، لا سيما عند العالم اليهودي "ساغموند فرويد" قد عين ببعضها أسسا معرفية تحيل دافعيات الإنسان جملة إلى الغريزة والدناسة..

لقد فتح النورسي منفذا آخر في مسيرته التأصيلية، إذ دشن مجال التحليل النفسي من منظور قرآني، معمقا بذلك الاتجاه إصراره المؤكد على السير في طريق أسلمة المعرفة..

لقد انتهى به التأمل لنفسه إلى أن يقر بثبوت شخصيتين يتنازعان ضميره التعبدي : شخصية كان الناس يشهدونها ويبرونها، وهي شخصية اكتسابية، محققة بخدمة القرآن..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٧٤