بل لقد نزع إلى أن يثلب نفسه كلما تصدى بالرد على تلك المواقف الإمتداحية والإكبارية التي ظل يُقابَل بها من قِبَلِ الناس ..
والثابت أنه حرص دائما وكلما تحدث عن نفسه، على أن ينسب الفضائل التي كان الناس يعاينونها فيه، إلى الله عز وجل، وإلى خدمته القرآن..
بل لقد انتهى به الأمر إلى الإقرار بأن ما كان يتراءى للناس من نبوغ فكري وروحي يميز دراساته وتعاليمه، إن هو إلا نبوغ القرآن العظيم ذاته، وأنه لا دور له في ما كان يقرر بشأن الآيات البينات، إلا ما كان من تسجيله لما تسنح به الأفكار والخواطر التي تتوارد على قلبه وهو يتمسح بعتبات القرآن العظيم، وأن دوره في كل ذلك هو دور المؤشر والدلال الذي يعرض على الناس ما تحتويه خزينة القرآن..
لقد طفق يهتف ملء الأسماع أنه مجرد دلال للقرآن..
لقد ظل ديدنه أن يطابق بين شخصيته الحق، وبين صفات السمو والإعلاء التي كانت تضفيها عليه خدمته القرآن العظيم ..
بل لقد مضى يبذل الجهود المضنية من أجل أن يصيب شيئا من صفات تلك الشخصية النموذجية التي كان يرسم ملامحها القرآن من خلال ما أرسى من مثل ومعايير قدسية تتزكى به نفس المؤمن، فلبث يكد ويجهد على أمل أن يحقق بسيرته وشخصه شيئا من تلك الصورة القرآنية، لكن ما أكثر ما كانت تناله الخيبة كلما وقف يُقَوِّمُ نفسه وما تحقق لها في سبيل بلوغ ذلك الهدف الأسمى..
لقد كان تحقيق ذلك المطمح يقتضي منه أن ينسلخ تماما عن ذاته، ليرقى إلى رحاب الكمال.. من هنا وجدناه يأخذ بوسيلة تقمص شخصية القرآن والفناء فيها بلوغا لهدفه الأزكى..وهو ما كان يجعله يقرر أن له شخصية خالصة لخدمة القرآن وحده.. وبما أن خدمة القرآن تقتضي أخلاقا سامية، فإن تقمصه لتلك الأخلاق والآداب والفضائل تعود إلى القرآن .. (1)
لقد كان النورسي يبرر بمثل هذه الاعترافات تلك النعوت المكرَّمة التي كان الأتباع يلحقونها به..
(1) المكتوبات ص411.