تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد امتاز النورسي بعقل تحصيفي جعله يضفي على الثقافة الاعجازية المتداولة بين الناس، طابعا إدراكيا جديدا أكسبها في جملتها وجاهة لا تمارى..

بل لقد أضحت مسائل تلك الثقافة الغيبية تشد القارئ وتقوده إلى وجهتها التمَثُّلِيَة التي تأَوَّلَها بها النورسي، ليجد هذا القارئ نفسه - في الغالب - يتقبل ذلك التمثل، ويعتنق تلك الرؤية، ويُؤَمِّنُ على سلامة ذلك الاستيعاب والتخريج الذي انبني على نظر عقلي متمالك، ومتبصر، ومتأول، لكن من دون أن يشتط في العقلنة التي ألفناها - عند الكثير من المتأولين - تسف بالحقائق غير المدركة، وتتعدى بها حيز المعقولية إلى الافتعال والتمحك، من حيث أرادت الإقناع والتسديد..

النورسي ..أخلاقه أخلاق القرآن، والإمحاء الإعتباري مسلكه

لقد ظل النورسي يذب عن نفسه الأحوال والصفات التعظيمية التي كان الأتباع يخلعونها عليه تبجيلا ومحبة، وكانت سيرته الربانية الجليلة تحملهم على ألا يروا فيه شخصا عاديا .. بل لقد أحاطوه بقداسة جراء ما كانت عليه سيرته من سمو وتقوى..ونتيجة لذلك التقديس طفق النورسي يدفع عنه باستمرار نعوت التجلة والإعظام التي كان تلاميذه والمحتكون به والعارفون بسيرته يطلقونها عليه..

والمؤكد - كما تثبت مواقف المكاشفة السافرة التي دأب يتصدى بها إلى تجريد نفسه من الفضائل- أن إصراره على نفي صفة الوجاهة الروحية التي ترسخت له في نفوس الأتباع لم يكن مجرد تظاهر بالتواضع كالذي جرى عليه العرف بين الناس، حيث يغدو اصطناع التواضع حيال مقام الامتداح نوعا من الإستزادة والرضى والإخلاد إلى حال الدغدغة التي تجدها النفس في مواقف المدح والإكبار..

بل لقد كان حرصه على تجريد نفسه مما يُلبسه إياها الناس من حلل القداسة، وازعا دينيا أصيلا فيه، بحيث نلمس أن النورسي من خلال ذلك إنما كان يقوم بما يشبه الإستغفار الذي يجرد النفس ويستبقيها عزلاء مما يغري أو يغرر أو يغوي..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٧٢