لقد أعار النورسي الناحية الغيبية كثيرا من الاهتمام، فمساحة جهوده الفكرية ودعوته الترشيدية قامت كلها على دعامة الإيمان بالله وبما قررت تعاليمه من الإيمان بالغيب.. لقد شاء النورسي أن يعطي للواقع الاسلامي - الآيل باطراد إلى رجاحة مادية جحودية بتأثير من ثقافات الكيد وإشاعة روح الزندقة والانحلال، وانتشار أفكار الطوباويات المغررة بالإنسان، شيئا من التوازن يرعوي به ويتمالك عن الوقوع في هوة الكفر والعدمية .. من هنا كان ذلك الاهتمام الكبير الذي أعاره النورسي لمجال المعجزة والكرامة، وما راح يستلهمه من تلك الآفاق المطهرة، والمتمثلة في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - و أنبياء الله الآخرين التي ظلت صعيدا حافلا بالخوارق، وكذلك من تجارب وسيرة أولياء الله الصالحين..
بل لقد حرص على أن يبرز من كنوز القرآن نفسه دلائل إعجازية لتعزيز الحس الغيبي عند المسلمين.. ذلك لأن النورسي كان يؤمن أن ثقافة الإفساد التي كان الغرب وأتباعه المستلبون ينشرونها بشتى الكيفيات، تحتاج إلى إرساء ثقافة إيمانية مناهضة للدجل الإلحادي، ومن شأنها أن تكفل للإنسان صيانة روحية تحفظ له توازنه وتستبقيه متجذرا في أرض واقعه الحياتي والروحي الذي لا يستطيع بحال من الأحوال أن ينفك عنها وعن أبعادها الغيبية الموصولة بمواجده وأعماقه..ذلك الغيب الذي يكتنف بآثاره النفسية والوجودية أطراف التجربة الانسانية من جميع جهاتها، ميلادا وأطوارا وحظوظا ووفاة..
النورسي يعيد تقويم الشاهد الخارق من منظور تحصيفي
على أنه لابد أن نلاحظ ذلك الحس التمحيصي الذي نظر به النورسي إلى الحوادث الغيبية، فهو قد سعى إلى أن يعيد تقويم الشاهد الغيبي وفق عقل إسلامي متخلص من القناعات الانحطاطية والأسطورية الكتابية التي كانت عبئا على مفهوم الكرامة والمعجزة وتشويها لها في كثير من الأحيان، وهو ما روجت له ثقافة عصور الانحطاط الملوثة بإفك الإسرائيليات..