من هنا توسعت دائرة نشاطات كل فرد امتلك حدا من الشروط المهيئة للتفتق.. ومن هنا أيضا كان كل كفٍّ لقابليات الانسان أو إعاقة لطاقاته أو تنميط لأوضاعه ومكاسبه، هو تدخل في قانون الفطرة وخروج عن المقاصد الإلهية التي هيأت الإنسان الفطري السائر على هدي تعاليم الخالق لأن يكون خليفة الله في أرضه "..(1)
لقد أدرك النورسي أن قيمة الشعارات الطوباوية - مهما كان حظها من الإنسانية- لا يمكنها إلا أن تتصادم مع الفطرة، وأن يكون مآلها الخيبة والخسران ..
ومن الواضح أن مثل هذه الإعتراضات كانت تبدو وقتذاك رجعية وخضوعا أصم للدين، أفيون الشعوب.. فلقد كان على الإنسانية المأخوذة بسحر ما ترى وما تسمع من شعارات أن تجرب ممارسة الأحلام الوردية، وأن توغل بعيدا في طريق التيه عن الهدى، قبل أن تفتح عينيها على المأساة التي تسبب الإنسان ذاته في صنعها، ورضي أن يردي نفسه فيها .. وهو ما حدث للإيديولوجية الشيوعية الإشتراكية التي أفسدت أكثر مما أفادت، وانتهى بها المسار إلى الانخذال المبين..
ومما ينبغي أن يستخلص من تجربة الإنسان الشيوعي - أو بالأحرى- تجربة الأمم الاشتراكية أن أمر الله تحقق فيها على نحو ما توعد به كل جحود، إذ بإعراضها عن النواميس الكونية ابتلاها الله بما ظل يبتلي به الأمم الخاطئة من هلكة وسوء مصير..
إن مأساة الدول الشيوعية وسقوطها لا يمكن أن يفسر إلا بما شاء الله لها أن تعيشه من مآل يعيدها إلى الجادة وإلى الإرعواء الذي يستبقي لها نصيبا من فطرتها وبشريتها، كي تشملها الرعاية ولا يطالها مكر الله الذي لا يهادن الماكرين.. وهو ما تنبأ به النورسي، وعاينه أتباعه عن كثب بانهيار أركان الشيوعية على أسوإ ما يكون الانهيار..
تزكية المجال الغيبي الموصول بالشرع، والأخذ به، ترجيحا لروح الإيمان
(1) أنظر اللمعات ص.258.