ولقد كان على الفلسفات الروحية أن تتصدى لهذا الانقلاب، وأن تسعى إلى تحصين دفاعياتها ضده، كما كان على الديانات - والدين الاسلامي منها بالخصوص - أن يقف في مواجهة الدعوة التي جاءت بها الشيوعية، والتي جعلت من غاياتها تنميط المخلوقات في منهاج معاشي وروحي واحد، والإسفاف بالمقدسات، وتجاوز القيم والأعراف الوطيدة بين الناس، والمستمدة في أكثرها من الطبيعة الإنسانية ومن فطرة التعايش والتمازج البشري..
لقد شاءت تلك الثورة أن تُحوِّرَ جذريا من حال الفرد ومن نواميس الله التي فطر العباد عليها.. وكان على النورسي - في هذا الاعتراك الروحي والسياسي - أن يرد على الفرضيات الجديدة بحكمة القرآن وبهدايته..
فلقد كانت أفكار الثورة الشيوعية قد نفذت إلى المجتمع التركي، وأوجدت لها مروجين ودعاة، من يهود ومستلبين، وكان حتما أن يشتجر الجدال بين أولئك الدعاة الأدعياء وبين النيرين من أبناء الأمة ممن لم تكن تغويهم خلابة التقليعات وإن تحلت بالبهرج، أو ادعت الكمال والقسطاسية..
لقد كان النورسي ببصيرته الثاقبة وبروحه القرآنية الحية يقف على الخط الأمامي في مواجهة المستغربين ..
لقد عاب عليه دعاة الاشتراكية من أبناء قومه، دعوته الإصلاحية التي كانت ترفع شعار الدين، إذ حسبوا أنهم وجدوا ضالتهم في مبادئ الاشتراكية، وظفروا بالمغنم الذي طالما تاقت إليه الجماهير، والمتمثل في شعارات العدالة والمساواة التي حملتها الدعاية الإشتراكة.. من هنا راح النورسي يوضح موقفه في ضوء الدين الاسلامي من تلك الشعارات المترفعة زهوا وخيلاء، اعتقادا منها أنها أوجدت الحل السحري لبني البشر..