ومن الواضح أن رؤية هذه الفلسفات لا تخرج عن نطاق الدين، بل هي تتلاقى معه، من حيث أن الدين يجعل من التفاؤل والأمل مناط السعي الانساني.. إذ لا مدنية، ولا نُظُم أخلاق، ولا ترابط بين الأقوام يتحقق في غياب الأمل والتوق إلى ما يوطد سعادة البشر..
فالنورسي من هذا المنطلق لم يتورط في بناء حلم طوباوي ميتافيزيقي، مادته افتراضية، على نحو ما فعل المثاليون، ومن سعوا – عبثا -إلى هندسة المدن الفاضلة للبشرية، بدءا من أفلاطون.. بل لقد صدر في تقريراته عن رؤية اسلامية تضع أمام الانسانية هذا التمثل الإلهي لتجربة الوجود، إذ هي تجربة ليست مبتورة عما بعدها ولا هي منتهية عند عتبة زمانية يعقبها العدم .. بل هي استرسال مقدر له أن يمضي بالانسان من مستوى حياتي حسي، دنيوي، إلى مستوى حياتي سرمدي..
لقد عمل النورسي بجهد على تكريس عاطفة الأمل في النفوس من خلال تمثلاته وشواهده الفكرية، الإيضاحية التي مضى يشرِّعُ بها باب الغيب والآخرة في وجه العالمين، تناغما مع مقررات السماء، ومن جهة أخرى كان يرى في زرع ثقافة الأمل التي هي من صلب الدين والأخلاق الإنسانية السامية، واجبا استنهاضيا لا مندوحة عنه.
ولقد رأيناه في غير هذا المقام كيف عد اليأس من أهم أسباب انحطاط الأمة ..وكيف دعا الأمة إلى استبدال اكفهرارها تفاؤلا واستبشارا وثقة في ذاتها ومرجوحيتها في ميزان الأمم والأقوام ..
و لا معنى ولا جدوى قط من أن نقرر للناس أن حياتهم هي بلا هدف، أو أن عليهم أن يكونوا سعداء رغم محدودية دنياهم الزمنية، أو أن على هذه الحياة أن تغدو موئلا حافلا بكل ما يشبع النهم ويروي الظمأ، لأنها حياة ظرفية، ولا تعدو أن تكون واقعة وجودية اعتباطية ناتجة عن مجرد الصدفة والتوالد العضوي للمادة ..