تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد وجدنا مفهوم " الإنسانية " يقترن في فكر النورسي بمبدإ الخلود، ومعنى ذلك أن التجربة الحياتية للفرد – كما يرى - تجربة متوقفة على ما يعقبها بعد رحيله من دار الغرور إلى دار القرار .. فحياة الإنسان في دنياه حياة موصولة بامتدادها الغيبي، الأخروي ،انطلاقا من معايشته للجماعة التي يحيا بينها، والمحيط الذي يتفاعل معه، فضلا عن علاقته مع ربه والتي تتحدد في ضوئها روابطه ونوعية ومستوى صلاته بالآخرين، أي بالانسانية قاطبة، من خلال ما يحمله في أعماقه من محبة وتعاطف معها..

لقد كان تأكيد النورسي لمبدإ خلود الانسان، يتضمن مبدأ إثباته للمسؤولية التي يتحملها الانسان إزاء نفسه وإزاء المجتمع الإنساني في كليته..بما في ذلك الكائنات العجماوات والجمادات.. وتلك رؤية قرآنية تحترم أنعم الله وترى للكون روحا لا بد وأن لها على البشرية حق المراعاة..

فتأكيد خلود الإنسان وسرمديته، يعطي كل القوة والقيمة لمعنى المسؤولية الجماعية والبشرية، إذ أن الضوابط التي تتقَوَّمُ في ضوئها أعمال الفرد وسلوكه، هي التي يتحدد بها مصيره في الدارين الدنيا والأخرى، إذ أنها ضوابط لا تطوي السجل ولا توقف الحساب بمجرد أن يفارق الإنسان هذه الحياة، ولكنها ضوابط تحكم مصيره الأبدي..لترابط تجربة الحياة مع تجربة الانتقال إلى الآخرة..

ومن الواضح أن هذا التمثل للوجود الانساني المسترسل في الزمانين، الدنيوي والأخروي، يجعل الإنسانية على يقظة تتسامى على منازع الاستعفال والاستعلاء التي تبذرها بين البشر المطامع الانتهازية..

ومما لا شك فيه أن النظم العدمية والإيديولوجيات المادية هي التي لا تفتأ تنمق الواقع الأرضي عن طريق ما تتفتق به قابلية الطيش والتحلل الخلقي من منجزات الإمتاع المهلك، وتفسح أمام الإنسان مساحات من السعادات الغريزية (الاستهلاكية )، إيمانا منها بأن لا حياة وراء هذه الحياة..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٦١