تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من هنا كانت التواثقات الجماعية مفضلة عند النورسي.. فالإختلاف إذا كان إطاره واحدا وغاياته مشتركة، فمن شأنه أن يخدم الحقيقة، وأن يظهرها في كل زاوية من زواياها بأجلى صور الوضوح، على العكس من تعدد الغايات وتباين العصبيات واختلاف الاهواء والحسابات الذاتية الناتج عن اصطراع الشيع والفيئات، فإن الحقيقة في خضم الفرقة لا تلوح إلا على سيول من الدم والجراح، وهو ما يهدر الجهود ويفاقم من الخسائر ومن أسباب الإفتتان والتناحر .(1)

لقد مضى النورسي يعالج أدواء النفس على نحو ما ظل يصنعه رجال السلف من أشياخه لا سيما الغزالي. فتحدث عن أمراض الحرص والعداوة والنميمة.. تلك النقائص التي تفسد الروابط بين الناس وتسيء إلى خلقية الفرد ويتحول بها عن الاستقامة والاستواء..

وكانت رؤيته في ذلك تتسامى وتأخذ بعدا شموليا في مستوى روحية الامة، فحديثه عن أمراض الروح وترديات النفس مثلا، ما برح يتحول - وعبر مواقف التسديد التي ظل يتعهد بها المسلمين - من إطاره الفردي إلى إطار جمعي حيث طفق يجنح بخطابه التوجيهي إلى الأقوام، وبالتالي إلى الأمة، لأنه كان على إدراك بأن حال المجتمعات أو الأمم من أحوال الأفراد.

من هنا ظل النورسي في إحالاته وتحليلاته لتلك الآفات التي تصيب نفوس الأفراد، يلفت الأمة إلى واقعها المتفكك ،الموبوء، والمنهك بأمراض جعلتها تفقد العزة وتنبخس بين الأمم.

انسانيته قرآنية الروح والغاية

يؤمن النورسي بإنسانية المؤمن، وبقابلية قلبه لإغداق المحبة على بني الجنس كافة، فالإنسان المؤمن، القرآني، إنسان محب للجنس البشري بأسره، بل هو محب لسائر الموجودات، يسعد بسعادتها، ويشقى بشقائها، لما يشعشع في قلبه من نور يشرع أبواب الروح في وجه الإنسانية قاطبة، ويقرب إليها كل مخلوق، بل كل موجود مما يعمر البسيطة، بما تستنبته الرحمة الإلهية من روابط الأخوة والقربى في قلب الإنسان القرآني:

(1) م.ن. ص348

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٥٩