تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذه النظرة الإكبارية، والتى تبجل الإنسان وتقر له بالفضيلة، مهما خفيت هذه الفضيلة أو جارت عليها رذائل ليست من جوهر النفس البشرية، قد ارتفعت إلى مستوى باين المواقف الوعظية المعهودة التي ألفناها في تراث كثير من أدعياء الوعظ والوصاية على الانسان ..

لقد استندت هذه النظرة إلى فهم رفيع وموضوعي لحقيقة الإنسان، لا سيما المؤمن، وقدرت النتائج الوخيمة المترتبة عن عاطفة التنافر الذي تولده الصلات التي لا تقدر أهمية الترابط والغض عن هنات الانسان حيال الانسان..

إذ من شأن المحبة أن تكفل للدائرة الانسانية إطارها الأخوي المثمر الذي تسمو به القيم وتسود الأخلاق..

فمن طبيعة الإغضاء عن نواقص الغير، أن تنتهي بالفرد إلى مستوى من المسؤولية السمحاء تصان بها حقوق..

إنه مستوى من النظر – يبديه النورسي - ارتفع بالإنسان إلى صعيد الإكبار والغيرة على حصانته القدسية التي قررتها كتب السماء وحرض عليها القرآن في أولى سورة دشن بها خطابه للعالمين..

لقد أكبر النورسي الإنسانية ونافح عن كرامتها التي أهدرتها معتقدات الوضاعين وفلسفاتهم حين جعلت الانسان مجرد آنا غريزة شبقية يثار ويسكن على إيقاع الشهوة والباعث الجنسي الحيواني، وجعلته آنا آخر مستوفزا، يقطع الرقاب ويزهق الأنفس استئثارا باللقمة وحده، مغالبةً وصراعا طبقيا لا مرحمة فيه .. وجعلته آنا ثالثا كائنا لا عقل له ولا عقال، انبثق من الصدفة وستبتلعه الصدفة، وبين هذا وذاك عليه أن يراوح بين الأشواط عابثا، مستهترا بالمثل وبكل ما يسوس الإنسان ويعلو به عن حضيض النزوات..

لقد صدر النورسي في هذه الرؤية عن تعاليم القرآن العظيم التي جعلت الإنسان خليفة في الأرض، وجعلت البشرية أمة واحدة مساسة بشريعة واحدة لا مجال فيها للإصطفاء المجاني أو الإرثي أو الإعتباطي ..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٥٤