تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل لقد رأيناه - وهو يخوض في صياغة الموقف العزائي - يسير على ذات المنحى الخطابي، التوجيهي، الذي اعتاد السير عليه في سائر ما كتب .. فهو يتخذ من الحادث مقاما يتحدث فيه عن رؤيته للحق المتجسد في كل حدث، وعن إيمانه الذي لا يتزعزع، وعن صلة المخلوق بالخالق كما ينبغي أن تكون على هذا الصعيد الأرضي وعلى الصعيد الأخروي.. فالمناسبة العزائية تتحول بين يديه إلى درس مفصل يسوق فيه من الدلائل ما يتحول حقا بالمشاعر إلى جو من السكينة والتأسي وتجديد اليقين، والتفاؤل بالقابل وبالمصير الأخروي الثابت..

ومن الطبيعي أن تستند الموعظة على دعامة القرآن من جهة، وعلى الارتكاز القصصي الذي اعتاد النورسي أن يُلَوِّنَ به أفكاره ويعرض من خلاله رؤاه.. ليخلص من ذلك إلى إرساء قناعته الموصولة بإيمان بالله عتيد .. قناعة تعكسها تلك المشاعر الدالة على خلوص روحي واعتمال قلبي ووجداني ينهض بحجتها ويكرس من يقينها.. لقد رأيناه يطرح رؤيته في موقف تعزية صاغ نصها بمناسبة وفاة طفل لأحد خلصائه ، نقتطف منه هذا المقطع الرؤيوي :

"إن الطفل المتوفى .. ما كان إلا مخلوقا لخالق رحيم وعبدا له، وبكل كيانه مصنوعا من مصنوعاته سبحانه، وصديقا مودعا من لدنه عند الوالدين ليبقى مؤقتا تحت رعايتهما، وقد جعل سبحانه أمه وأباه خادمين أمينين له، ومنح كلا منهما شفقة ملذة، أُجرةً عاجلة ازاء ما يقومان به من خدمة. والآن إن ذلك الخالق الرحيم الذي هو المالك الحقيقي للطفل - من الألف تسعمائة وتسعين حصة- إذا ما أخذ بمقتضى رحمته وحكمته ذلك الطفل منك، منهيا خدماتك، فلا يليق بأهل الإيمان أن يحزنوا يائسين ويبكوا صارخين بما يومئ إلى الشكوى أمام مولاه الحق صاحب الحصص الألف، مقابل حصة صورية، وإنما هذا شأن أهل الغفلة والضلالة". (1)

(1) المكتوبات ص.98 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٥١