وهي نظرة كما نرى تتجاوز حدود الرضى التي تواترت في أخبار وتجارب أهل الصلاح.. فقد ظلت العقول ترى في وقوع المصيبة بأهل الله، عربون حظوة وقبول.. لكن النورسي، لا يقبل بهذا الاعتقاد ترجمة لما كان يلم به، بل لقد كانت النوازل القدرية تروعه لا لتخاذله في تحمل البلاء، كلا، ولكن لأنه يقرأ فيه رسالة إلهية تستنقص ما كان يتجشم من عناء في سبيل تعميق إيمانه، من هنا كان يتملكه ذلك الشعور المرير، وذاك الارتياب من مصداقيته التعبدية..
وإنه لموقف ضَرَبَ بعيدا في مجال نكران الذات والإيغال في ترويضها على السمو..
وشتان بين ما دأب عليه السالكون ممن كانت مشاعر الرضى عن النفس تخرجهم عن الطور..وبين هذه الروح الوجلة التي لا تهادن النفس، ولا تتيح لها أدنى نَأْمَةٍ من طمأنينة، مخافة أن يتملكها الغرور في مضمار لا مجال فيه للغفلة..
بلاغة التعزية
إن النورسي الذي كان يعتزل الناس بإرادة تعبدية شخصية من جهة، وبتقييدات حكومية من جهة ثانية، لم يكن يتسنى له أن يعقد الأواصر مع الناس على نحو عادي، لذا رأينا دائرة خلصائه محدودة .. وكانت دواعي المحبة تقتضي منه أن يبدي مشاركته العاطفية إزاءهم في ما يسري عليهم من أحوال السراء والضراء.. فكان لا يتردد..
لقد رأيناه مثلا يعزي بعضهم، فكان مكتوب التعزية يخرج كلية عن الطابع العرفي الذي اعتدناه في رسائل التعزية..
فبلاغة التعزية - كما يكشفها سياق الأعراف – كان ديدنها إظهار إرادة المشاركة في الحزن والتسرية .. إن شيئا من تلك البلاغة البروتوكولية لا يبدو له أثر في ما خط النورسي من رسائل تعزية ..