من هنا كان حتما أن تتهاوى صروحهم الكرتونية التي ظلوا يشيدونها من الإفك والهوى، وأن تشمخ قلاع الحق وحصونه، الممثلة في ما أرسى النورسي من مادة القرآن وحجارته السجيل، وما خطت يمينه من رسائل منورة بوهج القرآن، وكان حتما أن يذهب الزبد جفاء وأن يمكث ما ينفع الناس في الأرض، سنة الله في أرضه، ورحم الله عبده المستضعف النورسي على ما بذل وما أعطى..
من شعاراته
"إن كان لأهل الدنيا حكم وسطوة وقوة، ففي خادمه بفيض القرآن علم لا يلتبس، وكلام لا يسكت، وقلب لا ينخدع، ونور لا ينطفئ".(1)
ومن تعاليمه المبينة على استراتيجية تجاهل الدنيويين
"إن طلب الحق من مدعي الحق زورا ومراجعتهم، ظلم وبخس للحق وقلة توقير له...أما سعيد الجديد فيرى أنه لا معنى حتى في التكلم مع أهل الدنيا".(2)
من الواضح أن النورسي لم يكن يرى في النكسات والتضييقات والإبتلاءات التي يتعرض لها، مؤشرا لطاعة مبرورة أوعلامة على صواب وقبول إلهي مؤكد، كما ألف الناس أن يفسروا وقوع المصائب لأهل الصلاح: المؤمن مصاب..
كلا، ولكنه كان يرى في ذلك برهانا على أن الاستقامة والخلوص في إيمانه لم تبلغ بعد غايتها.. من هنا كان يستأنف تحريه عن الحق ويواصل المسار بلا كلال .. لقد كان تلاحق الإبتلاءات عليه من أبرز الدوافع التي تعزز فيه الاصرار على نشدان المنزلة الحق .. لقد كان يعتبر نزول المحن بساحه بمثابة العقوبات التي لا يفتأ المولى - عز وجل - يستهدفه بها ليحمله على تصعيد الجهد أكثر وتكريس مزيد من الإخلاص ، في محبة لله، تقويما للنفس مما يكون وقع لها من إحساس بالكمال، أو ما داخلها من الشعور بالرضى أو بالإغترار.. فالابتلاء كان يتلقاه النورسي على أنه تنبيه رباني يخرج النفس من غفلتها..
(1) المكتوبات ص .91.
(2) انظر الكلمات ص. ص.94.