لقد كان يتمرس بالحقائق الايمانية التي يهديه إليها تأمله وانقطاعه عن الحياة العامة، وقد ألغى من حسابه أن يطرق باب أحدٍ بغاية إشراكه في إصابة شيء مما كان يصيب هو من ثمار التأمل والتعمق القرآنيين.. لكنه مع ذلك كان على ثقة وطيدة من أن مائدة الله - حيث جلس - والتي لا يحجبها عن الخلق بواب، لن تلبث أن تستهوي وتشد إليها الفيئات التي كانت أرواحهم في مسيس الحاجة إلى الدواء القرآني ..
ومن جهة أخرى نجده يكشف عن صلة التقلب والتلون التي كانت تجسدها مواقف طائفة ممن كانوا ينتحلون صداقته، والذين كانت تدفعهم المصلحة الطارئة أحيانا إلى اظهار التبرؤ منه، بل والذين كانوا لا يتورعون عن انتقاده، استجابة لدواعي تحريضية أو تهافتية، لم يكن تفيدهم بشيء في النهاية، إذ أن موقفهم المتقلب لم يكن ليخدع حتى أعداءه، إذ سرعان ما كانت تعاودهم الريبة إزاء أولئك المتحولين، فيشددون النقمة عليهم ..من هنا كان النورسي يعاتب أولئك النمادج المنافقين، ويواخذهم على تهربهم السافر منه ومن خدمته القرآن، وكان عنده اليقين أن لا أذى يلحقهم جراء صداقتهم لخادم القرآن لو أن إيمانهم كان على مستوى من الصدق والصفاء.
استنكاره مواقف السلك الديني الذي كان يناصبه العداء ،لما يتوهمون فيه من منافس، ولما يلمسونه في نفوسهم من ضعف حياله
لا يني النورسي يكرر على الأسماع بأنه لا ينافس أحدا بعمله القرآني وانقطاعه التعبدي، وأن كل مضايقة تصدر عن تلك الجهات الدينية التي كانت ترى في نشاطه مناهضة لمركزها ومنافسة لمنصبها، هي " في حكم المتعرض للإيمان في سبيل الزندقة والإلحاد" (1)
(1) المكتوبات ص.89.