تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحين يدعونه إلى التأدب بآداب مدنيتهم وتطبيق أصولها على نفسه ليتسنى له أن يجد حريته وأن يخرج من الشدة التي كان عليها إلى الانفراج والحرية .. يجيبهم بأنهم هم الذين ضيقوا عليه الدنيا على سعتها وأحالوها له سجنا، وأنه لقاء ذلك أقبل على الآخرة يستمد الرحمة من ربه..

ولا شك أن ردا من هذا المستوى إن هو إلا مساجلة كان يستحوذ بها على حججهم واتهاماتهم.. ولقد داوم على اتباع هذا التسفيه لهم على مدى تماديهم في تكبيله..

من هنا رأيناه في كثير من تصريحاته يسفه منطقهم الذي يطالبه بأن يأخذ بمنهج حياتي كانوا يرتضونه هم لا هو .. إذ كان يستغرب منهم أن يطالبوه بالانصياع إلى مشيئتهم تحت القوة ووطأة الأثقال التي يقيدون بها حركته، من خلال الإقامة والاعتقال الدائمين ..

لقد كان يرى أن من الصواب - لو أن النظام كان على حظ من الشرف - أن يراعوا في ما يطالبونه به شرط الحرية، ذلك أنه أولى لدولة تدعي الحرية، أن تسوس الناس في ما تراه مصلحة، في كنف الحرية، أما أن تحملهم بالقوة والإكراه على اعتقاد آرائها، لا سيما إذا كانت محل ريبة وافتئات، فإن ذلك لا يعد إلا من صميم القهر والاستبداد الذي لا ترضاه نفس حرة، تستمد قوتها من مبادئ عقيدتها..

لقد كان يشترط عليهم إطلاق سراحه من الاعتقال أولا، ثم عليهم بعد ذلك أن يطالبوه بتطبيق آدابهم في اللباس والسلوك الاجتماعي ..(1)

والحقيقة أن منهجه قد تعارض مع منهجهم منذ المنطلق، إذ أن مكونات روحه ووجدانه كانت تحدوه للسير من حيث سار، وهو ما كان يستحيل معه أن يتوافق أو يتلاقى المنهجان..

(1) انظر المكتوبات ص 87

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٤٦